هــام

ربيعيات

مَن يُكذّب بآلاء السودان.؟!

يوم : 15-04-2019 بقلم : ربيعة جلطي
صورة المقال
مَنْ يستطيع أن يكذّب بآلاء صالح، جميلة السودان؟! 
- لا أحد .!   فقد  رآها سكان الأرض قاطبة، في شوارع الخرطوم، بلباسها التقليدي السوداني الأنيق، وهي تعلن قيام السودان من جديد من تحت أنقاض الجبروت. شاهدوها على شكل آلهة يونانية أو حورية تقف فوق منصة مثل مايسترو شهير، لتقود أوركسترا الثورة السودانية. فيردد الشعب خلفها سوناتا الغضب والحلم والأمل ونشوة الانتصار والنظرة البعيدة نحو أفق جديد. يستيقظ سكان الأرض على السودان لم يعرفوا نساءه المدهشات ورجاله الشّهام، بل لزمن طويل اختصرت صورته في رجل ضخم الجثة يحمل عصا يهش بها على الحرية والأحلام والآمال، سيستيقظ سودان جديد في مخيلة العالم  كما ينهض الآن من عمق ذاكرتي  ومخيالي على شكل ثلاث صور حملتها لي كتب و نصوص، كثيرا ما كنت أحملها معي من وهران إلى مدينة ندرومة، حيث كنت أقضي بعضا من أيام عطلة الصيف، وفي مساءاتها  أجلس في سطح بيت جدتي لالة فاطمة الذي  يختار القمر وتختار النجوم أن تجتمع فوقه دون بقية السطوح. هناك أشرع في قراءة ما حملته في حقيبتي من كتب، سردية و شعرية. وإن الشاعر محمد الفيتوري واحد من الأصوات التي أعجبت بها ، كتابته الفريدة  يجمع فيها بشكل مدهش بين الحس الإفريقي العميق المليء بالتراثات العريقة الخالدة، و بين الموسيقات المتنوعة الاستثنائية. يلم أطراف إفريقيا السوداء إلى العروبة المشرقية.  والغريب أنني كلما  فكرت في الفيتوري إلا وقفز إلى ذهني الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور.  فيبدو لي الفيتوري"سنغور العرب" لتركيزه على فكر الزنوجة.  من ديوانه  الجميل " اذكريني يا  إفريقيا"  وعلى سطح بيت جدتي وتحت قمره قرأت قصيدته عن "جميلة بوحيرد" وحفظتها في ليلة صيف ندرومي هادئ:
"لن تسمع الجدران يا جميلةُ
فالسجن مثلُ جبهة السجان
من حجر صخرٍ، و من صوّان
و ما الذي تصنع راحتان
نحيلتان.. مستطيلتان
لامرأة صغيرة نحيلة؟
من قال إن الشعر الحديث لا يحفظ عن ظهر قلب ؟! إنها أول  قصيدة حفظتها من الشعر الحر، فقد كنت أعتقد مع المعتقدين أنه  يقرأ فقط، ثم  حفظت بعدها قصيد "المطر" للسياب وهي من الشعر الحر أيضا.  من قصيدة الفيتوري  "رسالة إلى جميلة" ، أدركت و أنا ما أزال تلميذة تحضر لاجتياز امتحان الباكالوريا في ثانوية لطفي، قول أستاذنا بأن الشعر الحر لم  ينشأ ليحرر القصيدة فقط إنما  ليدافع أيضا عن الحرية كفلسفة، و حق من حقوق الإنسان.  
اكتشافي لقوة شعر محمد الفيتوي جعلني  لاحقا أبحث عن الشعر في إفريقيا و بالأساس "الطوارق" الذين أدهشني تميز تراثهم وقوة القول لديهم، فظهر ذلك بشكل واضح بعد سنين  في روايتي  "نادي الصنوبر".
قادني الشاعر محمد الفيتوري إلى كاتب سوداني آخر إنه "الطيب صالح"، إلى قراءة  روايته "موسم الهجرة إلى الشمال"، (و هي الرواية التي صنفت كواحدة ضمن أفضل مائة رواية عالمية في القرن العشرين) كانت عصية على التفكيك، فأعدت قراءتها مرتين، لأن لغة حواراتها الغارقة في المحلية اللغوية جعلت كثيرا من التفاصيل تضيع مني في القراءة الأولى،  ثم شخصية مصطفى سعيد الإشكالية بكل ذلك الجنون و الجرأة و اللعب ما بين الشمال وبين الجنوب، ما بين لندن وبين السودان، دفعني ذلك إلى قراءة كتاب أفارقة  من غير العرب، كالروائي تشينو أتشيبي صاحب رواية "الأشياء تتداعى"، و ويلي سويينكا الحاصل على جائزة نوبل للآداب، الذي قرأت له  قبل أن ألتقي به لاحقا في
 (Carrefour des littératures)  (ملتقيات الآداب)  بمدينة ستراسبورغ.
و حين قرأت بعض دراسات المفكر الجريء محمود محمد طه، الذي تم إعدامه من قبل نظام الديكتاتور جعفر النميري العام 1985 تخيلته في صورة أول فلاح يزرع بذور الفكر الجمهوري في السودان، و حارس القيم الجمهورية في الفكر السياسي السوداني و العربي عامة، و اطلعت على بعض اجتهاداته في تحرير الفكر الإسلامي من الدوغما، و الذهاب به إلى آفاق السؤال الفلسفي الجريء، أدركت بأن السودان ظلم  كثيرا من حيث موقعه، فبينما همشته الثقافة العربية و اعتبرته من الثقافات الإفريقية غير الشرقية، ولم تعتن بما أنتجه مفكرو هذا البلد، فإن الثقافة الإفريقية جنوب الصحراء  بدورها همشته واعتبرته عربيا مشرقيا.
 الحقيقة فإن الفضل يعود  إلى كل من  محمد الفيتوري شاعرا و الطيب صالح روائيا و محمود محمد طه مفكرا لأنهم تمكنوا من إعطاء الثقافة السودانية أفقا إنسانيا أبعد من التوزيع الجغرافي و التقسيم الجهوي و القومي.
 - لماذا تذكرتُ الآن  الشاعر محمد الفيتوري و الروائي الطيب صالح و المفكر محمود محمد طه؟ 
ربما لأنني من اللواتي والذين لم يكذِّبوا بآلاء.
  أشاهد مثل الملايين الأيقونة "آلاء صالح" تغني في الحشود بالساحة العامة بالخرطوم ضد الديكتاتورية مطالبة بإسقاطها، فأشعر  بأن هذه الأقلام و نصوصها العالية لم تذهب سدى، يكفيها أنها أينعت بعد حين، ومنحت السودان امرأة بحنجرة ساحرة، وبكلام بسيط استطاع أن يسقط دبابة الطغاة، و أن يفتت الأصنام الأحياء.  لكنني وأنا أستعيد  قصيدة الفيتوري "رسالة إلى جميلة"، يطل عليّ سؤال لحوح: 
هل كتبها لجميلة بوحيرد أيقونة الثورة  الجزائرية أم لجميلة السودان  آلاء صالح أيقونة الثورة السودانية؟



	
عدد المطالعات لهذا المقال : 923


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة