هــام

مرايا عاكسة

رسالة إلى إمبراطور قادم

يوم : 15-04-2019 بقلم : السعيد بوطاجين
صورة المقال
نشرت في يومية الجزائر نيوز، ملحق الأثر، هذه الرسالة الموجهة للرئيس الأسبق، أو الملك، أو شيء ما عديم التصنيف، كان ذلك قبل العهدة الرابعة، أي قبل 6 سنوات خلت (31 ــ 12 ــ 2013). لم يتغير شيء منذ ذلك الوقت، بل ازدادت الأمور سوء، وإذ أعيد نشر هذه الرسالة فللتدليل على استواء الأزمنة في هذا الوطن. لم يكن البلد بخير، وما زال يبحث عن وجهة للخروج من السديم بعد هذه الثورة المباركة التي تأخرت قليلا، لكنها كانت متوقعة، اليوم أو غدا أو بعد غد. كان يجب أن تحدث لأن كلّ الظروف هيأت لها. لكنّ هذه السياقات السديمية قد تأتي بأباطرة آخرين لأننا في العالم الثالث، وفي بلد عربي يعيد إنتاج الأصنام بالتدوير والتزوير.
نص الرسالة:
لم يكن في نيتي أن أكتب لك في يوم ما، فأنا مواطن احتياطي لا شأن له في هذه البلاد الفتّاكة التي أصبحت خاصة باللصوص الذين احتكروا الحق والحقيقة. لكنّ مدير الجريدة طلب منّي كتابة رسالة إلى جهة ما. لم تعد هناك في حياتي جهات واضحة المعالم، كلّ شيء غامض، ما يشبه العمى المطبق. وفكرت في الشيطان الذي أصبح ملاكا لكثرة الشياطين الذين استولوا على مهنته. فكرت في المقابر التي تشبهنا، لكني فضلت أن أتركها بعيدة عن تعاستنا المرصعة بالخبل. فكرت في موضوعات وفي شخصيات لا حصر لها، واستقر بي الأمر أن أراسل رئيسا افتراضيا، أو إمبراطوريا، الأمر سيان في هذا الوقت الكالح الكاسح.
سيادة الرئيس القادم أو جلالة الملك أو الأمير المبجل أو الإمبراطور الأعظم، حسب التحولات الممكنة، لأن مفهوم الرئيس في هذا الوطن العربي مفهوم مضحك، وعبثي. قد تنتخب الرعية رئيسا أو لا تنتخبه فيصبح بقدرة قادر سلطانا وملكا وأميرا وجنرالا وإمبراطورا، أو ربّا من الأرباب الذين لا يخطئون في اتخاذ القرارات الخاطئة. وإذن:
سيادة الرئيس الملك الأمير الإمبراطور الجنرال السلطان. بعد التحية والتقدير والإجلال والاحترام لشخصك الموقَر بمناسبة اعتلائك سدة الحكم في هذا الوطن العظيم، وبمناسبة العام الجديد الذي لن يأتي في هذه الظروف المظلمة، وبمناسبة كلّ شيء ولا شيء، أقول لفخامتك وسموّك وجلالتك وللألقاب الأخرى التي قد تضيفها إلى مجدك:
 أنا واحد من الرعية التي ستحكمها بحق أو بغير حق. ولدت في الثورة، وكنت بحجم وسادة لمّا اندلع الاستقلال. أقول اندلع لأنَ المسائل تندلع في هذا البلد، تندلع الاجتماعات والقرارات والصفقات والأعياد والسرقات ووجهات النظر، تماما كما تندلع الحرب التي لم تتوقف. كبرت بالصدفة وخطأ عشت قليلا. بالكاد كنت أصل إلى نهاية الأسبوع دون أن أصاب بسكتة قلبية، أو دون أن أنتحر من شدة اليأس والثرثرة، ثرثرة المسؤولين والساسة والعارفين والمشعوذين الذين يشكلون بطانة السوء. 
بالمناسبة: السياسيون والمسؤولون في هذا البلد يقززونني، إذ كلَما سمعتهم يقولون كذبا فصيحا أو عاميا أتوب وأتوضأ الوضوء الأكبر، أستغفر الله وأردد: " إنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين ". ثم أكفر من جديد عندما أراهم مجتمعين يتأتئون ، يخلق الله ما يشاء.
 سيادة الرئيس الملك الإمبراطور: أحيطكم علما بأن هذا الوطن ليس بخير، ولن يكون بخير ما دامت هناك قوافل من اللصوص والمتملقين والمنافقين والكذابين الذين يخرجون يوميا من البرّ والبحر والجوّ، من تحت الحجارة ومن قنوات صرف المياه، كالجرذان والصراصير. بطانة السوء تلك هي الوحيدة القابلة للنموّ في وطن لا نستحقه، كما الناس الذين يستحقون أوطانهم عن جدارة. إنَ وطنا مليئا باللصوص والخربشة لا يمكن أن يذهب إلى المستقبل حافي العقل.
ولأن الرعية تقلد الراعي فقد أصيبت بالعدوى، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. فإذا حدث أن نزلتم إلى الواقع، بعيدا عن إقامتكم الخرافية وما يصلكم من بهتان المستشارين والكذابين، فإنَ من الخطى التي يجب القيام بها النظر إلى ما حولك، إلى ذلك الدود العظيم الذي يحيق بك، ثم إلى هذه المدن التي كان يفتخر بها من سبقوك إلى الكرسي التي تجلس عليه لتفكر في واقع الناس ومصائرهم، أو تتظاهر بذلك وأنت تفكر في حاشيتك وفيك. عليك أن تقرأ ما في مدن العار والوسخ والرذيلة والفوضى.
 من واجبك فخامة كذا، أو جلالة كذا، سواء كنت رئيسا ملكا أو إمبراطورا أو ما شئت، أن تنظر إلى طريقة تشييد هذا الخراب بأموال النفط والمحروقات التي أحرقتنا، هذه القبور والمحتشدات التي يسمّونها مدنا، وهذي الزنازين والبناءات الفوضوية التي تنجز تحت الرعاية السامية لربّ العمران والتخطيط. أنا أقترح عليك، كمواطن لا رأي له في فسادهم، لا ناقة له ولا عنزة، استحداث وزارة للجمال تشرف على وزارة المحتشدات علَنا نشيد بلدا مشرّفا كبلدان الناس، ليس قمامات نسميها ولايات تعتدي على البصر والذوق. 
وعليك أيضا أن تسأل عن سرّ توزيع الأراضي والعقار على بني أنف الخنزير، وبني أنف القرد، وبني أنف الكلب والدب والدودة، كما تمّ الاستيلاء على المناصب وعلى ملكية الأمة غداة اندلاع الاستقلال وبعده، أي منذ واحد وخمسين سنة من السرقة. هناك خلل: في الوقت الذي كان الفقراء يحتفلون باسترجاع السيادة الوطنية في القرى الفقيرة كان الآخرون يقتسمون المدن والبلد. كانوا ينتظرون أن يطرد الشهداء الأعداء للسطو على الحرية. عفا الله عمّ ا سلف ورحم البارئ أولئك الذين منحونا هذه الأرض، ومنحوا الرعاة المناصب السامية وفرصة ارتداء النظارات وسرقة أموال الأمة نهارا جهارا.
شيء آخر جلالة الملك أو حضرة اللواء الإمبراطور الذي لن تخفاه خافية: كل الأرباب الذين سبقوك كانوا يتحدثون عن امتلاك المعرفة الكلية. كانوا يعلمون الجهر وما خفي، وبالمقابل، كان المعاونون يهرَبون البلد إلى البنوك الأجنبية من الموانئ والمطارات، برَا وبحرا وجوَا، إلى أن نفد الوطن ولم يبق فيه سوى فتاتهم ومرضهم وقذارتهم وبؤسنا. فلان وفلان وفلان، كلهم لصوص متملقون ومنافقون وكذّابون وأباطرة وجاهلون وتافهون ورديئون، وعليك أن تسأل عنهم الناس المتعبين لأنَ معاونيك القادمين لن ينقلوا لك الحقيقة. سيكونون كالذين سبقوهم إلى استنزاف الثروات وبناء الفوضى لذر الرماد في الأرواح بعد أن امتلأت العيون غبارا وألما. من يحاكم هؤلاء؟ ومن يحاكم من؟.
جلالة كذا: كان مجلس النواب مكوّنا في العهود البائدة، التي تذكرنا بالفضائح والعار، من تجار المخدرات والحلاقين والحلاقات ورعاة البقر والأميين والأميات وقطاع الطرق والمرتشين وأصحاب الأموال المسروقة. تلك الكائنات التي من فصيلة الرخويات والفقاريات والفاشلين والراسبين في المدرسة الابتدائية، هي التي كانت تخطط للمستقبل بالتصفيق ورفع الأيدي والأرجل دفعة واحدة، ودون شفقة، مقابل راتب مغر. لذلك لم نكن بخير، ولن نكون بخير عندما تتشكل أعلى الهيئات من هذا البؤس الأعظم الذي جعل الأمم تتخذنا مثالا للسخرية.
 لقد تمّ التخطيط للمستقبل تأسيسا على التخطيط للجيب والأمعاء، وتلك حدود الذكاء، ذكاؤهم الذي لا نظير له. الفساد، أيها الحاكم القادم، منتشر في كل الأصقاع، لكن الفساد في الجزائر بلغ درجة من الاحترافية التي تجاوزت ما ورد في الأساطير. لقد غدت أنابيب النفط تصبّ مباشرة في الحسابات الخاصة بأولئك الذين تعرفهم ويعرفهم القاصي والداني. أصبح كل مسؤول لصا بالضرورة، وكل سياسي ومدير ورئيس بلدية مشروع لصّ قادم من سراديب العار. الانتخابات نفسها مدخل إلى السرقة الموصوفة. يجب إلغاء الانتخابات إن كنت كالذين سبقوك. عليك بتعيين من شئت، من نفسك إلى الوزير إلى السفير إلى المستشار إلى رئيس الطباخين ومدرب الفريق الوطني وعلامات الوقف وحاذي البعير حفاظا على هيبتك، وحفظا للمال العام الذي لا أحد يرعاه سوى اللصوص.
         لن أقول لك يجب قطع أيدي ورؤوس المساعدين الذين سرقوا وابتزوا: سوء ائتمان وخيانة عظمى تتبعها خيانات أعظم. قد يتطلب ذلك تدريب فرق واستحداث وزارة لإنتاج السيوف الكافية للقيام بالمهمة المستحيلة، فمن لا تقطع يداه ورجلاه تقطع على الأقل أصابعه، وذلك أضعف الإيمان. لهذا لن نكون بخير، ما عدا في الخطب العابرة للقارات، وفي الخطب النفاثات في العقد، وفي الاجتماعات المسيلة للدموع وفي الأعياد المؤلمة. لقد كنّا شعبا عظيما على الورق، كما كانت هناك حكومات مدججة بفائض الكفاءة المتخصصة في الفساد.
          سيادة لا أدري تحديدا: ما سرقته بطانة السوء ومشتقاتها، حسب ما تناقلته الألسن وتداولته الدول، يعادل ميزانية أسبانيا أو البرتغال أو قبرص أو اليونان، ويفوق ميزانية بعض الدول الأفريقية والدول المجاورة للمملكة أو السلطنة أو الإمارة أو الإمبراطورية أو الجمهورية الفاشلة في أدائها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعمراني والأمني والتعليمي. ونتحدث عن محاكمة المفسدين؟؟؟ الفاسد لا يحاكم الفاسد، إنَما يؤازره في السراء والضراء.
            ملاحظة أخرى: هل قدّر لنا أن نعيش بالنفط وأرضنا قادرة على تزويد العالم بالكرز والبرتقال والقمح والتمر؟ أصبحت الأراضي الزراعية عقارا وإسمنتا ومستودعات وفيلات مشبوهة كلَها. وأمَا الرمل فيعيش وحده بانتظار أن يمنَوا عليه بفكرة. لا أفكار لنا خارج التفكير في السطو. تلك هي الهواية المفضلة قبل مجيئك أيها الزعيم القادم، عن طريق الانتخابات المزوَرة أو عن طريق الحق الإلهي في السلطة المقدَسة.
            هناك حقيقة وجب أن تؤخذ في الحسبان: الناس لا يصابون بالانهيارات العصبية عبثا، لا يموتون بالسكتة القلبية عبثا، لا ينتحرون مجانا، لا يهاجرون بلا سبب، لا يأكلهم البحر لأنهم وجدوا وطنا يحميهم كما يحمي اللصوص المنتشرين في المؤسسات العمومية ودواليب أجهزة الدولة. الناس كرهوا حياتهم. أمَا الآخرون فينعمون بأموال هؤلاء الناس، بعيدا عن الرقابة. الرقابة تراقب الفقراء وتحكم بالسجن على من يسرق قطعة خبز من السارق الكبير.
طلب قصير القامة: سيادة السيد القادم إلينا من جهة لا نعرفها: البلد امتلأ بالحفر والممهلات والأوساخ والذباب والبناء الفوضوي والصراصير والقمامات والعلب والضمادات والجرذان والحفاظات الملقاة هنا وهناك، بدل الأشجار والنباتات والورد والعصافير. لذا نرجو منك التقليل منها إن كانت تسيء إلى البلاد والعباد، أو إغراق البلد فيها إن كانت نافعة وضرورية لهذا المواطن.
           هذه رسالتي إليك، أو ذرة من الرسالة قبل أن أختنق، وقبل أن أموت بسكتة قلبية، وقبل أن أهجر البلد كالآخرين، أو أهرب في قارب من قوارب الموت، رغم أني أملك جواز سفر وتأشيرة. لا مكان هنا سوى للصوص ولصوص اللصوص. أمّا الذي ما زال يؤمن بالوطن فلا وطن له في وطن كهذا. ما عدا إن حدثت معجزة أو جاء نبيّ من العصور القديمة، من أزمنة الإيمان. أمّا الباقي فمجرّد زفت وكوليرا.
            
     
          

عدد المطالعات لهذا المقال : 1585


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة