هــام

الصراعات على السلطة أرضية خصبة لازدهاره

ما تحرثه الإصلاحات يدكه الفساد

يوم : 05-05-2019 بقلم : أ.بن نعوم
صورة المقال
عند الحديث عن تاريخ الفساد في الجزائر المستقلة , فإن أول قضية فساد في هرم السلطة  ترد على الذهن, هي تلك المنسوبة إلى محمد خيضر الذي استغل منصبه كعضو للمكتب السياسي في جبهة التحرير الوطني مكلف بالمالية و الإعلام  و استولى على خزينة جبهة التحرير في عهد الرئيس بن بلة ,و فر هاربا إلى سويسرا في 17أفريل 1963 , غير أن  بعض زملائه في حرب التحرير , اعتبرو القضية مجرد خلافات سياسية بين رفقاء السلاح , رغم أن المبلغ المحول فاق 50 مليون فرنك سويسرى , هي عبارة عن اشتراكات الجزائريين و تبرعات الجزائريات لصندوق التضامن لدعم جبهة التحرير الوطني خلال و بع الثورة , كانت مودعة في بنوك خارج الجزائر , فحولها محمد خيضر لحسابه الشخصي , و وضعها تحت تصرف أحزاب المعارضة لحكم بن بلة في الخارج ؛ مثل جبهة القوى الاشتراكية, و حزب الثورة الاشتراكية, و اللجنة الوطنية للدفاع عن الثورة ,و المنظمة السرية للثورة الجزائرية.
و ظلت هذه القضية تعكر صفو العلاقات الجزائرية السويسرية إلى غاية حكم الرئيس الشاذلي بن جديد ,عندما اختار ورثة خيضر تسوية النزاع بالتراضي , و إرجاع المال جزئيا إلى الجزائر من خلال تحويل أسهم البنك التجاري العربي بجنيف التي كانت باسم خيضر, لتصبح من نصيب الدولة الجزائرية  التي ورثت بذلك بنكا في سويسرا و هو «البنك الجزائري للتجارة الخارجية «, الذي استغل مرة أخرى في قضية سوناطراك 2.
وكان لسوناطراك ذكر كذلك في عهد الرئيس هواري بومدين , فيما عرف بقضية «الباسو/ سوناطراك», و كانت موضوع تحقيق من طرف لجنة برلمانية في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد , ظلت نتائج عملها غير معروفة , رغم اتهام شركة سوناطراك بإبرام صفقة مع الشركة الأمريكية «الباسو» لبيع الغاز الجزائري بأسعار مخفضة , مما انجر عنه خسائر للجزائر , أدرجت فيما بعد ,ضمن  ما سمي «فضيحة» هدر 26 مليار دولار ,التي أثارها الوزير الأول الأسبق, عبد الحميد إبراهيمي . و قد أدرجت أرملة الرئيس هواري بومدين هذه التهمة ضمن ما اعتبرته في تصريح للصحافة «مجرد محاولات يائسة لتشويه مرحلة حكم بومدين، الذي يشهد عموم الجزائريين على نظافة يده ونزاهته», و اعتمدت أرملة الرئيس الراحل في دفاعها على زوجها على تقريري البنك العلمي و صندوق النقد الدولي المتعلقين بالجزائر لسنة 1991, حيث تأسف الأول حسبها على «الطريقة التي أصبحت تسيّر بها شركة سوناطراك منذ العام 1979، أي بعد وفاة بومدين، حيث أشار إلى أن الشركة كانت تكلف مدققين وخبراء في الحسابات كل ستة أشهر، للتدقيق في عقود وحسابات سوناطراك، ومدى سلامتها من شبهات الرشوة والفساد,بيما أصبح التدقيق الدوري في حسابات و عقود سوناطراك يتم كل 3 سنوات بعد عهد بومدين .
 حتى عهد بومدين 
لم ينج من الشبهات؟
ويمكن تلخيص وقائع هذه القضية في إبرام سوناطراك صفقة مع الباسو الأمريكية بعد أكثر من 3 سنوات من المفاوضات , لتصدير 10 ملايير متر مكعب من الغاز المميع سنويا على مدى 25 عاما,و لأن الطاقة الانتاجية  للجزائر لم تكن كافية آنذاك وافقت على عرض بنك أمريكي لمنحها قرضا لتمويل إنجاز مصنعين إضافيين لتمييع الغاز.و هي الصفقة التي أثارت حفيظة فرنسا و إعلامها الذي أشاع بأن الجزائر تبيع غازها بأسعار مخفضة , و دفع وزير الطاقة آنذاك في عهد الرئيس الشاذلي  إلى رفع السعر إلى درجة نفرت الزبون الأمريكي , ليحل محله الزبون الأوروبي و بالأخص الفرنسي . و تزامن ضياع هذه الصفقة مع تقديم فرنسا للجزائر مساعدة بمبلغ 600 مليون فرنك فرنسي , الأمر الذي اعتبرته الصحافة الفرنسية «رشوة للطرف الجزائري مقابل تغيير موقفها بشأن تصدير الغاز نحو الولايات المتحدة الأمريكية».
و في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد الذي خصته أرملة الرئيس هواري بومدين بنقد لاذع مع وزيره الأول عبد الحميد الإبراهيمي،بتساؤلها : «إذا كان تسيير البلاد خلال عشرية الثمانيات سليما، فلماذا انتفض الشارع في أكتوبر 1988؟ ولماذا وجد الرئيس الأسبق، اليامين زروال، خزائن الدولة خاوية تماما؟
مضيفة : «بومدين بـ 28 مليار دولار فقط، بنى جامعات ومستشفيات وشق طريق الوحدة الإفريقية، وشيد مصانع ضخمة، لكن الشاذلي وعلى الرغم من أن خزينة الدولة كان بها أزيد من 94 مليار دولار، إلا أنه عجز عن تحقيق ما أنجزه سلفه». و في هذه الفترة بدأت تصفية الحسابات مع حاشية بومدين , و في مقدمهم من كان مرشحا لخلافته ؛عبد العزيز بوتفليقة الذي فقد حقيبة وزارة الخارجية  
وطُرِد من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني عام 1981. كما طُرد هو وعائلته من الفيلا التابعة للدولة، التي كان يشغلها في أعالي العاصمة الجزائرية. وفي نفس السنة، غادر عبد العزيز بوتفليقة الجزائر، ولم يعد إليها إلا بعد ست سنوات , فاسحا المجال بذلك لخصومه لاتهامه بشبهة الفساد إذ في الثامن  أوت 1983، أصدر مجلس المحاسبة قرارا يدين بوتفليقة باختلاس أموال عمومية تتجاوز قيمتها ستين مليون دينار جزائري آنذاك. وقد نشرت جريدة المجاهد في اليوم الموالي مباشرة  الاتهامات الواردة في  قرار مجلس المحاسبة.
و قد سمحت سياسة الثمانينيات ببروز طبقة بورجوازية و جدت في شعار من «أجل حياة أفضل» منجما للإثراء السريع باستيراد الكماليات و بيعها للمواطنين بأسعار تدعمها الدولة , و ازدادت هذه الطبقة تغولا خلال العشرية السوداء التي سادها فساد كبير جراء انتشار الفوضى و انشغال الدولة و مؤسساتها بمحاربة الإرهاب , فتشكلت ثروات كبرى بطرق ملتوية و مشبوهة , استغلت بعد العشرية السوداء في بسط نفوذها في مختلف دواليب السلطة , مشكلة «اوليغارشية» مالية قوية و مهيمنة خلال المرحلة الانتقالية , في عهد الرئيس اليمين زروال .
كلما طالت فترة الحكم كلما تزايد عدد الفاسدين و لأن الأوليغارشية المالية عادة ما تتمرد على الحكام الجدد , بحثا عن التحرر من التبعية للنظام , أصبح كل نظام يستلم الحكم في حاجة إلى أوليغارشية  خاصة به , لتفادي الابتزازات  التي قد تمارسها القوى المالية المناوئة . و هو ما عرفه نظام الحكم في الجزائر في عهد الرئيس بوتفليقة إذ «بعد ست سنوات قضاها بين عواصم أوروبية ودول الخليج، خصوصا الإمارات العربية المتحدة حيث كان مستشارا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عاد بوتفليقة إلى الجزائر عام 1987 بضمانات من الرئيس الشاذلي بن جديد بعدم ملاحقته. وشارك في المؤتمر السادس لحزب جبهة التحرير الوطني عام 1989 وانتخب عضوا في لجنته المركزية». و وضع شروطه بمنحه كافة السلطات عندما عرضوا عليه رئاسة البلاد التي تسلمها سنة 1999, غيرأن عهدته الرئاسية الأولى  لم تنته من دون شوائب، حيث انفجرت فضيحة مالية كبرى، فيما بات يعرف بقضية «بنك الخليفة» التي كلفت الدولة وفئات كثيرة من المواطنين خسائر بالملايير. و مع ذلك لم تحل قضايا الفساد المالي الذي ارتبط برجال محيط الرئيس ومقربيه دون فوزه بعهدة رئاسية ثالثة، تميزت ببحبوحة مالية كان من نتائجها  بروز قضايا فساد بشكل ملفت للنظر، منها  فضيحتا سوناطراك 1و2، تسببت أولاهما في إبعاد وزير الطاقة والمناجم سنة 2013، وعرفت بأكبر فضيحة سياسية واقتصادية في عهد الرئيس بوتفليقة لأن الرجل كان من محيطه ومن مقربيه. وظهر خلال العهدة الثالثة للرئيس أيضا ارتباط وثيق للسياسة بالمال،
وعرفت نفس الفترة فضيحة الطريق السيار شرق ـ غرب، الذي تضاعفت تكلفة إنجازه بشكل مريب جدا بعد أن قفزت من 7 ملايير دولار إلى حدود 13 مليار دولار. حسب الأرقام التي قدمتها الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد ، والتي اعتبرت أن ما يربو عن 16 بالمائة من التكلفة الإجمالية للمشروع قدمت على شكل رشاوى ومنحت الصفقات العمومية في إنجاز المشروع بطرق مخالفة لقانون الصفقات العمومية. و لعل ,, تصريح نائب وزير الدفاع قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح ,الذي أكد من خلاله على أن :«مصالح الدفاع الوطني تحوز معلومات مؤكدة حول عدة ملفات فساد ثقيلة» ومؤكدا في هذا الصدد أنه «اطلع شخصيا على ملفات , تكشف نهب أموال عامة بأرقام و مبالغ خيالية «, موضحا أن :« الملفات وضعت تحت تصرف مصالح العدالة لدراستها وتحقيق بشأنها ومتابعة كل متورطين فيها انطلاقا من حرصنا الشديد على حماية الاقتصاد الوطني».
..لعل مثل هذه التصريحات مؤشر على أن الفساد قد جرف ما عرفته البلاد من إصلاحات في مختلف القطاعات , كما أنها تدل على أنه كلما طالت فترة الحكم , كلما  تكاثر عدد الفاسدين أو عدد قضايا الفساد أو هما معا .


عدد المطالعات لهذا المقال : 74


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة