هــام

التسلط ليس حكرا على الوظائف السامية

يوم : 02-06-2019 بقلم : أ.بن نعوم
مما يروى من باب الموعظة و الاعتبار والتحفيز على الاقتداء ؛ أن أحد الدعاة ,كان إذا أحس بشيء من الزهو بنفسه, وشعر ببعض الكِبْر يتسرب إلى قلبه بفعل المكانة الاجتماعية التي بلغها , فأصبح يجالس الملوك والرؤساء, ويركب أفخم المركبات , و يسكن في أبهى الإقامات , كان يختفي عن الأنظار عدة ساعات, وحدث مرة أن طال اختفاؤه أكثر من المعتاد ,فقلق عليه أهله, وانتشروا في أحياء المدينة يبحثون عنه, وسرعان ما وجده بعضهم في أحد المساجد العتيقة  بأطراف المدينة, وقد شمّر عن ساقيه و ساعديه , و راح ينظِّف و يحكُّ أرضية المراحيض داخل ميضأة المسجد. وأخبر الشيخ أنه كان يفعل ذلك لقهر النفس الأمّارة بالسوء.
وفي سياق معاكس, حكى لي مرة أحد المواطنين على سبيل التنكيت «الملغم بالرسائل المشفرة», أن لجنة دينية بأحد المساجد, لاحظت مواظبة أحد المواطنين على أداء الصلوات الخمس في وقتها بالمسجد , و لأنه كان بطالا يتلمس الصدقة حيثما كانت , اتفق أعضاء اللجنة على تكليفه بحراسة الميضآت من عبث الأطفال, مقابل جزء مما يجمعونه من صدقات كل جمعة . و قد أدى المواطن هذه المهمة على أحسن ما يرام, « فكان المثال المشخص للشعار المتداول عند الناس في كل مصر و كل عصر «الرجل المناسب في المكان المناسب», مما شجع اللجنة الدينية على الرفع من منحته الأسبوعية, فتحسنت حاله, واشترى برنوسا   و كرسيا , واستبدل أواني الوضوء التي كانت  عبارة عن علب المصبرات , بأواني بلاستيكية مختلفة الأحجام والألوان (ومن جيبه الخاص), وجلس في مدخل الميضأة يراقب الداخل و الخارج , بل راح يأمر وينهى , فإذا ما أخذ قاصد الوضوء, إناء كبيرا, أمره بأخذ الصغير, وإن هو اختار الأخضر طلب منه أخذ الأحمر وهكذا, حتى ضجر منه المصلون وشكوا أمره للجنة الدينية , وعندما استفسره أعضاء هذه اللجنة عن هذا السلوك التسلطي؟ أجابهم ببساطة : لو لم أعامل الناس بهذا الشكل , فكيف يعرفون بأني «شاف الكابينيات» ؟ (يقصد رئيس المراحيض). الجزائريون يحسنون تأليف النكت, وهذه إحداها, اخترنا سردها  لأنها قد تعكس بشكل من الأشكال الخلفيات الذهنية لكثير من الشعارات «الشخصية» التي تُرفَع في تظاهرات الحراك ليضفي عليها بعض «الشرعية الشعبية» التي يراها هؤلاء ضرورية لممارسة «تجربة التسلط « والتخفيف من الشعور بالضعف القاهر عن «مغالبة الصعاب» التي تمثل السبيل الوحيد لنيل الأماني . فالتسلط ليس حكرا على الوظائف السامية...
عدد المطالعات لهذا المقال : 59


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة