وَتَزَوَّدُوا العــــدد (9)

*أحذروا فقر القلوب !!! *

يوم : 30-07-2020
صورة المقال
- اقتباس فضيلة الشيخ حسين بلقوت



قال الله تعالى مُخبرا عن نبيه واصفا إياه :
« لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ « 
تلك هي صورة النبي القدوة الإنسان النبيل في مشاعره الحلوة الرقيقة التي تنساب بالحنان والعاطفة على الناس من حوله، فيضُمّ المؤمنين إليه في حرصٍ كبيرٍ وخوفٍ شديدٍ من أن يمسّهم سوء من فقر القلوب ، أو يعرض لهم مكروهٌ من فقر الجيوب ، أو يصيبهم جهدٌ أو مشقةٌ وعذابٌ، فهيّأ جوٍّا حميمياًّ من الرأفة والرحمة، التي تغمر القلوب وتملأ النفوس غبطةً وسروراً ،  قبل أن تملأ الجيوب مالا ، نعم فَعَل ذلك كله قبل أن يفكر في ملء الجيوب، 
وذلك هو الذي فسح المجال للسائلين أن يجدوا لديه القلب المفتوح الذي ينفتح لكل علامة استفهام تدور في أفكارهم، ليجيب عنها بكل محبةٍ وعمقٍ وانفتاحٍ، وهو الذي أتاح الفرصة للضالّين أن يلتمسوا الهدى عنده ، فلا يتعقّدون من أسلوب، ولا يتشنّجون من نظرةٍ، ولا يتحرجون من أمر أسداه إليهم ، بل يواجهون ـ بدلاً من ذلك ـ النظرة الحنونة، والابتسامة المشرقة، والكلمة الطيبة، واللفتة الحلوة، فيقتربون إليه أكثر ليغمرهم في جوّ حميمي مفعم بالمحبة قبل أن يُزودهم بالفكرة العميقة المُوحِية، بل يكون هذا الجوّ هو المدخل الذي يتيح للفكرة أن تلج إلى القلب وتتحرك في العقل، فتتحول إلى حركة إيمان في النفس. وهذا هو ما يحتاجه الداعية الذي يتحمل مسؤولية الدعوة إلى الله،ولكن أيضا هو ما تحتاجه أنت أيها الزوج مع زوجتك لتأخذها إلى برّ الأمان ،
وهو ما تحتاجه أنت أيها الوالد مع أبنائك لتغرس فيهم الفضيلة ،وتحتاجه أنت أيها الأستاذ مع طلابك لتنشر العلم في عقولهم، وتبث التربية الحسنة في سلوكهم ، وتحتاجه أنت أيها الطبيب مع مرضاك لتصل بهم إلى موطن الداء ،فتعالجه بالدواء وتصل بهم إلى مواطن الشفاء فتؤمنهم من الأمراض ، و تحتاجه أنت رب العمل مع عمالك لتسعى بهم إلى بذل الجهد و إتقان العمل وتأمين المعيشة.. 
فإنّ على الجميع أن يعيشوا هذا الخلق العظيم وهذه العناية الفائقة المفعمة بالمحبة الصادقة التي تنشر الأمان في حنايا النفس فتتهيأ و تنتعش هذه الأنفس قبل أن تستقبل الموعظة أو الدرس أو الفكرة،أو الأمر بخير مأمول ، أو النهي عن شرٍّ مرتقب ، وذلك الغنى المنشود للقلوب .
، فحين يكون قلبك غنيا بالمحبة والعطف والحنان وحسن الرعاية وكثرة العناية بالغير فقط تستطيع الولوج إلى أعماق عواطفهم،
فبحرصك عليهم، ورحمتك ورأفتك بهم، يسهل عليك أمر الوصول إلى قلوبهم وعقولهم من أقرب طريق. وربما ساهمت ابتسامةٌ حلوةٌ وكلمة طيّبة تصحبها في انفتاح نفس إنسان ما على الهداية،
كما قد تساهم حالةٌ تشنّجيةٌ وكلمةٌ قاسيةٌ في انغلاق النفس الإنسانية وابتعادها عن الخط المستقيم، حتى وإن سقت إليها مال قارون .
فإن الحنان والرأفة يسعيان لعلاج العقدة النفسية فيجعلانها تنحلّ بالكلمة الطيبة والابتسامةٍ الصادقة،أو قد تتعقّد أكثر بكلمةٍ قاسيةٍ ونظرة استعلاء أو حقدٍ أو استشعار بانتقام أو إهمال وعدم اهتمام .!!! 
وإليكم قصة اليوم عن غفلة الصيدلي الذي حاول محاربة فقر الجيوب قبل محاربة فقر القلوب :
دأب الصيدلي على الكدّ والاجتهاد في العمل حاملا همّ تأمين العيش لأهله وأبعاد شبح الفقر عنهم ، سعى لرواج سلعته وكثرة زبائنه ، وانشغل طوال يومه ، لاهٍ عن كل ما حوله سوى تجارته الرابحة ، فهو لا يعود إلى بيته إلا في ساعة متأخرة بعد صلاة العشاء من كل يوم ، 
يأكل وحده ، ويقضي صلواته ، ثم ينام ، وكان يظن نفسه سعيدا حيث قضى على شبح الفقر ، وأبعده نهائيا عن أسرته ، بما فتح الله عليه من نجاح كبير في تجارته ، وبما وفّره من مال كثير.
إلى أن جاءه عامل مُجهد إلى الصيدلية وقال: 
هل لديك مرهم للاسمنت وعجب منه الصيدلي فضحك ، ثم قال ساخرا نعم لدينا ،مرهم للإسمنت المسلح ،ولدينا مرهم للحجر،ولدينا مرهم للحديد.
ثم قال مازحا هل تريد نوعية ممتازة مستوردة ، أم نوعية عاديّة مصنوعة في البلاد؟
فقال الرجل على الفور : اعطني النوعية الممتازة المستوردة.
ردّ عليه الصيدلي ساخرًا: إنّها غالية، أقول لك ذلك مقدّمًا. ثمّ انهمر ضاحكًا.
وهنا أدرك العامل أنّ الصيدلي لاه عن همه بعيد عن الواقع ، فرفع العامل يديه عاليا ورآهما ألصيدلي.. رباه إنهما خشنتين متشققتين وقال له مبينا حرفته: إنّي عامل أشتعل في الاسمنت،
وقد فعل الاسمنت في يديّ ما ترى فهمني الأمر كثيرا لأنني أصبحت لا أستطيع أن ألمس وجه ابنتي الصغيرة اللطيفة لكي أداعبها كما كنت أفعل من قبل دائما ، واغرورقت عينا العامل بالدموع .
ثم قال للصيدلي : إذا كانت النوعية الممتازة المستوردة التي لديك تزيل هذا الاسمنت وتمكنني من مداعبة وجه صغيرتي دون أن أوذيها ، فاعطني إياها وسأتدبّر ثمنها إن شاء الله هنا فقط استيقظ الصيدلي من غفوته واستفاق من غفلته ، فتجمّدت الضحكات الساخرة على شفتيه ، ورأى نفسه حقيرّا، صغيرًا، بائسا، کما لم یرها من قبل.
كيف لا وهو لم يحضن أطفاله منذ زمن، ولم يدللهم، ولم يحن عليهم أبدا، بل ولم يفكر في ذلك يوما. هنا أدرك نفسه وعلم أنه لفقير، لقد حارب بقوة فقر الجيوب، وأهمل فقر القلوب. 
لأنّ الفقر الحقيقي فقر القلوب وليس فقر الجيوب ... 
عدد المطالعات لهذا المقال : 133


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة