هــام

*الله أكبر*الله أكبر*

التَّكْبِيرُ

يوم : 02-08-2020
صورة المقال
- اقتباس فضيلة الشيخ حسين بلقوت

لمّا كانت المناسبة عيد الأضحى المبارك رأينا أن نقف عند شعيرة التكبير في هذا اليوم العظيم.



إنّ تكبير الله سبحانه وتعالى من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وهو من عظيم ذكر الله و أوائل الأوامر التي نزلت على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء هذا الأمر في سورة المدثر، وهي من أوائل السور التي نزلت  قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1)قُمْ فَأَنذِرْ(2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5)وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ(6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:1-7]، وقد جاء الأمر بتكبير الله في قوله تعالى:﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:111]، وقد جاء الأمر بتعظيم حرمات الله، فقال تعالى:﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:30] ، وقد جاء القرآن الكريم بتوجيه المسلمين إلى تعظيم شعائر الله، فقال تعالى : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32].
والحقيقة أنّ تكبير الله وتعظيمه من العبادات القلبية الأولى واللسانية المهمة التي ألزم الإسلام بها العبد المسلم، وهي تعبير على الخضوع لله تعالى .
والعبادة القلبية والعملية الثانية التي تقابل التكبير والتعظيم، السجود ( الصلاة) فقد قال تعالى:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:15]، وقال تعالى:﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
[آل عمران:83]، وقال تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ [الحج:18].وهكذا فإنّ المسلم حين يسجد يقرن ذلك بالتكبير وحين يرفع من السجود يكبر .
وتنطلق هذه العبادات كلها من منطلق واحد وهو محبة الله،
و حب الله، هي العبادة القلبية التي أوجبها الإسلام على العبد المسلم، وأباح الإسلام للمسلم أن يحب شهوات الدنيا مثل: الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن، لكنه اشترط أن يكون الله ورسوله أحبُّ إلينا من كل هذه الشهوات، ومصداق ذلك هو القيام بالجهاد، جهاد الكافر والعدو أنى كان وأولهم النفس الأمارة بالسوء والشيطان والشهوات فقد قال تعالى:﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبه:24].
وهذا التعبد وهذه المحبة تُنتج التعظيم لله والخوف من الله والرجاء في الله ،
الخوف من نار الله -تعالى- وعذابه، وهي العبادة القلبية التي أوجبها الإسلام على المسلم، فقال الله تعالى:﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:51]، وقال تعالى:  ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:46]، لذلك تحدثت آيات متعددة عن صور من العذاب الذي يطال العاصين والمنافقين والكافرين، فقال تعالى:﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41)فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ(42)وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لّا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44)إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ(45)وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:41-46].
كل ذلك استشعار من المسلم للخوف من ربه والفرار  إلى ومولاه. و الرجاء فيه وحده.
رجاء جنته سبحانه وتعالى، وهي العبادة القلبية التي أوجبها الإسلام على المسلم أيضا ، فقال تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110].فالرجاء في الله يعادل الخوف من الله ولذلك يفر المؤمن لربه في خوفه كما في رجائه
وقد فصّلت آيات كثيرة صوراً وألواناً من النعيم الذي يطال المؤمنين والمتقين في الجنة، فقال تعالى:﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ(27)فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ(28)وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ(29)وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ(30)وَمَاء مَّسْكُوبٍ(31)وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ(32)لّا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ(33)وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ(34)إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء(35)فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا(36)عُرُبًا أَتْرَابًا(37)لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ(38) ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:27-40].
ويؤكد أهمية التكبير، أنّه برز في الصلوات الخمس وهي عماد الدين فقد جعل التكبير مفتاح الصلاة
وتأتي عبارة «الله أكبر»، في : الصلاة، والآذان، والعيدين ، وعند الذبح وغيرها .
وسنبين حكم هذه العبارة، والحكمة من إبراز الشرع لها في هذه العبادات


الصلاة ركن من أركان الإسلام، فعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (رواه البخاري ومسلم)، وهي أهم شعيرة مطلوبة من العبد المسلم، فهي التي فُرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج، وهي التي ترافق العبد خمس مرات في اليوم، وترافقه في كل أحواله ولا تسقط عنه بحال من الأحوال، حتى إن كان مريضاً ولا يستطيع الصلاة قائماً صلّى قاعداً، وإن كان لا يستطيع الصلاة قاعداً صلّى على جنبه، وإن كان لا يستطيع الصلاة على جنبه صلّى إيماءً، ولا تسقط عنه في حال الحرب فهناك صلاة الخوف، ولا تسقط عنه في حال السفر فهناك القصر والجمع، وهي أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:«إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ»، (رواه الترمذي)
وقد وردت عبارة «الله أكبر» في الصلاة في موضعين:
الأول: تكبيرة الإحرام:  وقد أجمع الفقهاء على أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، 
الثاني: تكبيرات الانتقال : اعتبر بعض الفقهاء تكبيرات الانتقال واجباً، واعتبرها بعضهم الآخر سنة.. ورغم أنه يصح شرعاً أن يقول العبد «الله أعلم» 
و «الله أحكم»و «الله أقوى» والله أقدر….. فالمعنى صحيح، ولكن ذلك لا يجزئ في الصلاة، بل يفترض عليه أن يقول «الله أكبر»، وهذا يدل على أن الشرع طلب من العبد أن يستحضر صفة «تكبير الله» في الصلاة وليست أية صفة أخرى، لحاجته لها كما سَنبُين عند الحديث عن الحكمة من تشريع «التكبير» في الصلاة وغيرها.















 

شُرع الأذان في المدينة المنورة كشعيرة إسلامية مميزة ، وبيّنت الأحاديث الصحيحة زمان تشريعه، فنقل البخاري قال:«كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس يُنادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلاَ تبتعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال، قم فناد بالصلاة  (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث 604) وقد حدّث أنس فقال:«أُمر بلال أن يشفع الآذان ، يكرر الكلمات مرتين
وأن يُوتِر الإقامة « يقول مرة مرة 
ومن المعلوم أنّ كلمات الآذان تبدأ بعبارة «الله أكبر» وأنّه يجب أن يُؤذّن لكل صلاة، فعلى هذا الأساس يؤذن خمس مرات في اليوم، وفي كل آذان تذكر عبارة « الله أكبر» 4 مرات، كما أنها تذكر 4 مرات عند الإقامة. ويُسن للمسلم أن يتابع المؤذن فيقول مثل ما يقول، فقد روى أبوسعيد الخدري: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:« إذا سمعتم النّداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن وهكذا يتضح أنّ الآذان شرع مع السنة الأولى للهجرة أما بالنسبة لحكم الآذان، فإنّ رفعه واجب في كل بلد وفي كل حيّ، وهو الذي يمنع من القتال، فقد عنون البخاري باباً تحت عنوان: «باب ما يُحقن بالآذان من الدماء»، فقال: حدثنا أنس بن مالك: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بِنَا قوماً، لم يكن يغزو بِنَا حتى يصبح وينظر، فإذا سمع آذاناً كفّ عنهم، وإن لم يسمع آذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع آذاناً ركب وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم النبي -صلى الله عليه وسلم -، قال: فخرجوا إلينا بمقاتليهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد والله، محمد، قال: فلما رآهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الله أكبر، الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث610).
وكما نرى هنا فإن التكبير شعار للجهاد في سبيل الله.


 كما هو في هذه الأيام المباركة
و يشرع للمسلم أن يجهر بالتكبير في الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، وهي: «الأيام المعلومات»، قال تعالى:﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 2-28]، كما شرع له أن يكبر الله في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، وهي: «الأيام المعدودات» فقد قال تعالى:« واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا واعلموا أنكم إليه تحشرون» (البقرة، 203) وقد روى البخاري في صحيحه فقال، قال ابن عباس رضي الله عنهما:«ويذكروا اسم الله في أيام معلومات»  أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق، وكان ابن عمر وأبوهريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، يكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما، وكبّر «محمد بن علي» خلف النافلة، (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق).
كما روى البخاري في صحيحه فقال: «كان عمر رضي الله عنه يُكبّر في قبته في منى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبّر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً»، وكان «ابن عمر يكبّر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه، تلك الأيام جميعاً. وكانت ميمونة أم المؤمنين  تكبّر يوم النحر، وكنّ النساء يكبّرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، ليالي التشريق مع الرجال في المسجد» (صحيح البخاري، كتاب العيدين ، باب التكبير أيام منى إلى عرفة) وعن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: سألت أنساً، ونحن غاديان من منى إلى عرفات، عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يلبي المُلبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه» (صحيح البخاري، كتاب العيدين، حديث 970)، وعن أم عطية ، قالت: «كنا نُؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نُخرج البِكْر من خدرها، حتى نُخرج الحُيَّض، فيكنّ خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهرته «
من الواضح أن الأحاديث السابقة نقلت أنّ الصحابة كانوا يكثرون من التكبير في أيام العشر الأولى من ذي الحجة، وكانوا يكثرون من التكبير في العيدين وفي أيام التشريق، وقد وضحت الأحاديث أنّ النساء كنّ يشاركن الرجال في هذا التكبير، وأما حكم التكبير في كل تلك الأيام العظيمة فهو سنة، وقد استمر المسلمون على مدار التاريخ يؤدون هذه السنة التي هي مظهر عظيم من مظاهر احتفال المسلمين بتعظيم الله وتكبيره. 
لا بأس أن نذكر جانبا من أسرار التكبير نستشفها من هذا التأكيد على التكبير في عدّة شعائر مهمة وأساسية من شعائر الإسلام؟ وحتى نستطيع أن نفهم الحكمة من التكبير ، علينا  أن نتوقف عند الصيغة الشرعية للتكبير . وصيغة التكبير هكذا «الله أكبر»، فقد جاءت بصيغة «أفعل التفضيل»، فهناك المُفضَّل وهو «الله» تعالى، وهناك صيغة « أفعل التفضيل « وهي كلمة «  أكبر «، وقد اشتقت من الفعل «كبر»، فحذف المُفضَّل عليه الذي يجب أن يكون مسبوقاً بكلمة «من»، وأبقاه مُضْمراً، فيمكن أن نقول الآن :
« الله أكبر من المرض «،
 «الله أكبر من الظالم  «،
« الله أكبر من العدو «، 
« الله أكبر من كورونا      «
الله أكبر من كل كبير ....فالله ليس له مثيل ولا نظير
وحيث حذف الشرع الحكيم «المُفضَّل عليه» في كل الشعائر التي يذكر فيها التكبير : «الله أكبر»، 
في الصلاة، وفي الآذان، وفي العيد وعند الذبح  !!!!
فما الحكمة من ذلك؟ 
إنّ الحكمة من ذلك أنّ العبد المسلم عندما ينطق لسانه بعبارة التكبير، ويعيها عقله، ويمتلئ بها قلبه، يستعيد توازنه النفسي، 
لأن الاضطرابات النفسية في مختلف أشكالها من حزن ، وقلق ، وكآبة ، وخوف ، وانهيار عصبي ، إلخ… 
تأتي كلها من الهموم : 
هم الشهوة، أو هم المال، أوهم الديْن، أوهم العدوّ، 
أو هم المستقبل، إلخ… 
تكبر الهموم عند العبد، فتملأ عليه عقله وقلبه، فيكاد ييأس وتهجم عليه جحافل القنوط ويضيق صدره .
ثم يأتي النطق باللسان بأن « الله أكبر» من هذه الشهوة، أو هذا الدّيْن، أو هذا المال، أو هذا العدوّ، فيعيد إلى الذات توازنها النفسي فتطمئن.
«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»
وبالتالي يتجه العبد بعقله وقلبه إلى هذا الإله الذي هو « أكبر» من كل هم سبّب له هذا الإضطراب «النفسي»، ثم يدرك يقينا أنه لا يمكن لأي حدث مهما كان أن يحدث إلا بإذن الله وحده فيتوجه العبد إلى ربه طالباً أن يُنقذه من هذا الهمّ الكبير، فيصحو من غفلته ليعلم يقينا أن هناك ما هو أكبر من هذا الهم الذي سبّب له هذا الاضطراب ، فيسأل العون والنجاة والمساعدة، من الله الأكبر ، فتعيد عبارة: «الله أكبر» الهم إلى حجمه الطبيعي، وتتم معالجته، بعد أن يأخذ بالأسباب التي تحقق له الشفاء . وهكذا أدركنا السّر في أن الشرع ألزمنا بصيغة «أفعل التفضيل»: «الله أكبر»، وحذف المفضَّل عليه ليبقى المجال للعبد أن يعين المفضَّل عليه الذي كان المتسبب في اضطرابه في تلك اللحظة: من ديْن، أو مال، أو شهوة، أو عدو، أو مستقبل إلخ…..، والمتغيَر بين حين وآخر، فيتذكر عند كل تلك الحالات بأنّ الله – على الحقيقة – أكبر من هذا الأمر سواءً أكان ديْناً أم شهوة أم مالاً أم عدواً أم مستقبلاً إلخ ….، فيواجه المشكلة التي أرّقته ويتغلب عليها، ثم يستكمل عملية العبادة والإعمار والبناء الحضاري التي خلقه الله من أجلها.
إنّ الإسلام بني على تكبير الله ، وهو عبادة قلبية أساسية ، وجاء الأمر بها قال تعالى : ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)) فقل الله أكبر ولا تغفل عن ذلك .   
عدد المطالعات لهذا المقال : 121


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة