فك العزلة عن مناطق الظل بوهران

شمس «الرقمنة» تسطع على قرية سيدي غالم

يوم : 18-10-2020 بقلم : هواري قايدعمر صورة : فوزي برادعي
صورة المقال
- قرار ربط المنطقة بشبكة الاتصالات جاء عقب لقاء الرئيس تبون مع الولاة 



يمثل رهان النهوض بمناطق الظل في بلادنا، وتطويرها في شتى المجالات لاسيما في مجال الرقمنة، أبرز التحديات التي حملتها الدولة على عاتقها، لتجسيد ملامح الجزائر الجديدة، التي ينوي رئيس الجمهورية السيد عبدالمجيد تبون، تشييدها وتحقيقها على أرض الواقع، ومن بين هذه المناطق المحرومة، التي أولت لها السلطات العليا، أهمية كبرى لترقيتها وتخليصها من المعاناة والحرمان، قرية سيدي غالم النائية التابعة إداريا لبلدية طافراوي، (30 كلم عن مقر ولاية وهران).


وفي لقاء سابق جمع الرئيس تبون بولاة الجمهورية، في أواسط شهر فبراير الماضي، تم بث روبورتاج يلخص المعاناة التي يكابدها سكان سيدي غالم منذ عقود، لاسيما ما تعلق بتعبيد الطرق والماء الشروب والبطالة والنقل والصحة وانعدام شبكة للاتصالات الهاتفية وخدمة الانترنت، ومباشرة بعد هذا اللقاء وبأوامر من الحكومة، تم إطلاق عدة مشاريع تنموية مستعجلة، منها بالخصوص ربط المنطقة بخدمة الهاتف النقال المحمول والانترنت.
ومن هذا المنطلق ارتأينا القيام بزيارة ميدانية إلى سيدي غالم، أحد أبرز مناطق الظل في وهران، للوقوف على مدى تجسيد مشروع تغطية القرية بخدمة الهاتف المحمول والانترنت، حيث أكد لنا السكان بأن بلدتهم، كانت شبه معزولة عن العالم، وطالبوا في الكثير من المرات بضرورة فك الحصار عنهم وتزويد قريتهم بهذه الخدمات التكنولوجية الرقمية، غير أن انشغالهم بقي حبيس الأدراج، إلى أن جاءت أوامر رئيس الجمهورية، بضرورة الاهتمام بمناطق الظل وبالخصوص قرية سيدي غالم، وتخليصها من مظاهر التخلف والتقهقر التي تعاني منها، فلولا تعليمات الحكومة الصارمة، لبقيت خارج مجال التغطية ولم تستفد من أي برنامج تنموي، خصوصا في مجال تعميم وتطوير تكنولوجيات الإعلام والاتصال، وبناء على تعليمات مصالح ولاية وهران، قامت على الفور مديرية البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، بتشغيل محطتي إرسال لشبكة الهاتف النقال، الأولى لشركة « موبيليس « والثانية لـ «جيزي «، أواخر شهر أوت المنصرم، تزامنا مع ذكرى يوم المجاهد، ما مكن سكان القرية، من تطليق مظاهر العزلة التي كثيرا ما تسببت لهم في عدة مشاكل، منها على سبيل المثال: عدم استفادة الشباب من مناصب الشغل بسبب جهلهم لعروض التوظيف التي تنشرها مختلف المديريات في صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم قدرة الكثير من العائلات، على الاتصال هاتفيا بفرق الإسعاف وأعوان الحماية المدنية، في حالة وقوع طارئ صحي أو حادث منزلي خطير، دون أن ننسى استحالة تواصل سكان القرية مع ذويهم الذين يقطنون بعيدا عن سيدي غالم، للاطمئنان عليهم خصوصا في الأعياد، بسبب بُعد هذه القرية النائية، التي تقع في أعلى سفح جبل « ماخوخ « بطافراوي والقريبة حدوديا من ولاية سيدي بلعباس..
الاستفتاء في قلب النقاش الافتراضي
وقد علمنا من السكان أنه وقبل إطلاق خدمتي الهاتف النقال المحمول والأنترنت، كانوا يقصدون منطقة توجد على بضعة أمتار من المجمع السكني، وهي الوحيدة التي توجد فيها تغطية ضعيفة لمتعامل الهاتف النقال « موبيليس «، فعادة ما تنقطع المكالمات أو تصل بصعوبة للمتلقي، وهو ما جعلهم يطالبون بربط منطقتهم بمحطات إرسال، لإنهاء هذه المعاناة التي عاشوها منذ سنوات، وقد لاحظنا ونحن نتجول بين أرجاء بيوت قرية سيدي غالم، وجود العديد من الشباب وهم يحملون هواتفهم النقالة، يتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي، ويطّلعون على جديد المشهد السياسي الوطني، لاسيما مستجدات مشروع تعديل الدستور، الذي سيعرض على الاستفتاء الشعبي في الفاتح نوفمبر، حيث أكدوا لنا أنه بفضل إطلاق خدمة الأنترنت، أضحوا يتبادلون الأفكار ويتناقشون فيما بينهم بخصوص التعديلات الجوهرية، التي وردت في وثيقة الدستور، وهو ما جعلهم يخرجون من عزلتهم التي كانوا يعيشونها، قبل ربط قريتهم بهذه التكنولوجيا الرقمية المتطورة، كما صرح لنا أحدهم بأنه في السابق، كان شباب المنطقة يقطع عدة كيلومترات، بحثا عن الأنترنت لمشاهدة مباريات «الليغا» الإسبانية، خصوصا داربيات ريال مدريد وبرشلونة، أو حتى مباريات كأس العالم ورابطة أبطال أوروبا، ولكن بعد تزويد منطقتهم بخدمات الهاتف المحمول والأنترنت، أصبح هذا الكابوس من الماضي، وجعلهم يلتحقون بركب المدن والبلديات التي توجد بها هذا النوع من التكنولوجيات الرقمية. مثمنين بذلك الإرادة السياسية والاهتمام الكبير الذي يوليه رئيس الجمهورية، بمناطق الظل، التي بدأ الكثير منها يخرج من ظلمات التخلف والتقهقر إلى نور العصرنة والتنمية، وأحسن مثال على ذلك قرية سيدي غالم، التي بدأت رويدا رويدا تفك عنها قيود المعاناة التي عاشتها لعدة عقود.
وفي اتصال مع مريم صديقي المديرة الولائية للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، أكدت لنا بأن مصالحها ستواصل جهودها لرقمنة مختلف الإدارات والملحقات الفرعية، في مناطق الظل بوهران، حتى تتخلص من عزلتها وتُسَهّل على المواطنين قضاء حوائجهم اليومية بالقرب من مقر سكناهم، دون عناء التنقل إلى المديريات الرئيسية، مضيفة أن تحدي ربط قرى ومداشر الولاية، بخدمتي الهاتف النقال المحمول والانترنت ذات الجودة العالية، سيرفع الغبن عن السكان وينهي عنهم مظاهر التخلف وتذبذب شبكة الاتصالات وانقطاعها في كل مرة، وهذا بفضل جهود الدولة وإرادتها القوية في النهوض بهذه المناطق المحرومة، لاسيما في مجال عالم الرقمنة وتعميم تكنولوجيات الإعلام والاتصال.

منطقة جهاد ورباط
تجدر الإشارة إلى أن قرية سيدي غالم، التي سطعت عليها أشعة شمس الرقمنة، شهدت وقوع إحدى أكبر المعارك التاريخية في المنطقة بين 18 و20 جويلية 1956، راح ضحيتها أكثر من 300 شهيد، وتكبد فيها الاستعمار الفرنسي خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد، لا تزال إلى اليوم شاهدة على بطولة سكان هذه البلدة التاريخية. والقرية تحمل اسم الولي الصالح سيدي غالم، الذي عرف بورعه وزهده وإصلاحه ذات البين، وفي كل عام تقام وعدة سيدي غالم التي تجمع سكان المنطقة ويقصدها من مختلف ولايات الوطن، تخليدا لروح هذا الرجل الصالح المصلح.
عدد المطالعات لهذا المقال : 192


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة