هــام

دقة القلب ..!

توديعُ السّبُع..علولة 3()

يوم : 12-04-2017 بقلم : ربيعة جلطي
صورة المقال
 وأنا أنظر إلى هذا العالم الذي أمسى يشبه غابة محترقة، مثلما ينظر سكان القارة السادسة السابحة في الفضاء في رواية «حنين بالنعناع» إلى الكرة الأرضية، وهي تغرق في طوفان مائها ودخانها، تذكرتُ أننا عشنا عشرةَ أعوام قاسية وحدنا، أمام عيون العالم وآذانه الصماء. جرّبنا الهولَ بكل أبعاده. كنا نخفي جروحنا النازفة، ونحاول أن نقف من جديد على أقدامنا المكسورة. نقف من جديد إكرامًا لمن فقدناهم. ولكي نقول لأرواحهم المُرفرفة فوقنا: - نحن هنا نعيش بكم ولن ننساكم..أمانة..! أيام عصيبة، دامعة، دامية، جارحة، قاسية، ولكنها صيّرتنا أقوى، لأننا نخبئ مَنْ فقدناهم في أرواحنا، ودقات قلوبنا، وأجسادنا الباقية المليئة بالندوب. ولأن مِنْ واجبنا مع كل شهيق وزفير، ومع كل نبضة قلب، أن نتذكرهم، ونناديهم، ونومئ لهم بأنهم يسكنون فينا، دون مناسبة رسمية أو مناخية. إنهم كثرٌ ذهبوا وبقينا قِلّة. بل بقوا، وسنذهب كما تجرُّ الرياح العاتية ناصية الأيام. وذاك يوم منها. يوم من تلك الأيام الأخيرة من رمضان، كان يجلس في الصف الأيمن من قاعة المحاضرات في قصر الثقافة بوهران، قصر بل منارة البلد آنذاك لمن له ذاكرة. كنتُ أراه وأسمع صوته المميز وهو يناقش من وسط القاعة بين الحضور، إنه المسرحي الكبير سي عبد القادر علولة..ثم افترقنا قبل السحور بقليل، على أمل أن نلتقي، لنستمع إلى محاضرته المبرمجة في اليوم التالي، كان عنوانها :« المسرح العربي من توفيق الحكيم إلى عبد الكريم برشيد». بعد الإفطار، ونحن على أهبة الخروج، رنّ هاتف البيت، إنه صوت الصديق «عبد الحق كازي تاني» الذي كان يقوم بتنشيط سلسلة المحاضرات الرمضانية بقصر الثقافة، صوت مرتجف يخبرنا بالحدث الجلل..»لقد مررتُ الآن بشارع مستغانم، رأيته بعيني، علولة، علولة مطلخا بدمائه ساقطا على الرصيف..».
 اهتزت الأرض على إثره تحتنا، وكادت وهران أن تتفتّت إلى شظايا. الصديق عبد الحق كازي تاني المثقف الجنتلمان ينصحنا بعدم الخروج، فالقائمة الطويلة السوداء للإرهاب لا تستثني أحدا منا. وهاتفَنا السيدُ «نور الدين عدناني» مدير المحطة الجهوية للتلفزيون بوهران للاستفسار أكثر، للتأكد من الخبر. بعد زلزال الروح تماسكنا، و توجهنا بسرعة نحو المستشفى الجامعي، كان قد سبقنا بعض الأصدقاء، سمح لنا الشرطي الذي كان واقفا على باب قاعة الإنعاش بالدخول، حيث رأيتُ بأم عيني سبُعَ وهران مسجى، وهو يصارع رصاصات الغدر، فباغتني نشيجٌ لم أستطع صدّه ولا مقاومته. شمسٌ سوداء طلعتْ في اليوم التالي، لفّت المدينة تحت حلكتها. لست أدري كيف وسعَتْ أروقةُ «مطار وهران السينيا» كل ذلك الجمع من الفنانين، والمثقفين، وعشاق مسرح علولة، والنَّاس البسطاء..الكل يومئ بيديه وقلبه للطائرة الطبية التي تحمل سبُع وهران على متنها، متوجهة نحو مستشفى فال دو غراس.غاصت الطائرة في السماء، وغاصت أرجلنا في الفراغ، نحن الذين بقينا على الأرض في ذهول. عاصفة تحلجنا بين ضفة الأمل وقاع اليأس. عدنا من المطار في صمت قاتل أصم إلا من صوت الصديقة الأستاذة «زبيدة حقاني» يعلو باكيا، حزينا، مشظى، يخترق القلوب الجريحة. لم تكن الوسادات رحيمة تلك الليالي، فقد كانت محشوة بالشوك والشك والنار. أيام و جاءنا الخبر الكارثة، الخبر القاصم للظهر:« سبعُ وهران صعد إلى منصة السماء»، لقد تركَنا رفقة المسرح و الإبداع وحيدين يتامى. كان بيت السبُع في «شارع مستغانم» قد امتلأ على آخره، وحتى آخر الشارع ، واختصر مدينة وهران كلها بين جنباته. أهله بشهامة وصبر، وسيداته الرائعات يطوعن الحزن، ويستقبلن المعزين المتوافدين، من وزير الثقافة أبو بكر بلقايد (الذي قصّ الإرهابُ زهرتَه هو أيضا) حتى آخر محبّ مجهول لسبع وهران ولمسرحه، ولقلبه الطيب المنشغل بحال الأطفال المرضى بالسرطان في مستشفى مسرغين مثل أب لهم رحيم..أمْسوا يتامى. كأن وهران وُضعت يومها كلها في مركب كبير على أمواج عاتية، تلهو به كما تريد وتهوى. هذه المرة، مال بمن فيه من جماهير نحو باب المسرح الجهوي. ساحة «بلاس دارم» عائمة بالبشر. كنتُ بجانب أمين وأختي وأصدقاء كثر، ننتظر خروج السّبع من عرينه. دخل ليودّع خشبته الباكية للمرة الأخيرة. وانتظرنا في صمت وصبر وألم حتى خرج إلينا، ووُضع أمامنا في أعلى سلم من واجهة المسرح. لم أدْرِ كيف صفقتُ بيدين مرتعشتين، ثم بحرارة، وأنا لا أكاد أميز من خلال دموعي التابوت المسجى، وما هي إلا ثوان وإذا بمئات أكف الجماهير الواقفة «ببلاس دارم» تشتعل تصفيقا حارا، متقدا، يصل إلى عنان السماء وهي فوق رؤوسنا تعزف نغما خلفيا حزينا. نعم صفقتُ للرجل الذي طالما صفقنا له عند نهاية كل عرض مسرحي بهيج. ثم علت الزغاريد لروح الشهيد. وبعد أن هدأت الأيدي والحناجر الجريحة وعم الصمت، كان على المسرحي «سيد أحمد أقومي» الذي كان يقف بقرب السّبع المسجى قرب عرينه، عند باب مسرحه، أن يلقي كلمة التوديع..لحظات عسيرة..! لم يتعب المركب الحزين الكبير المليء على آخره، ليرسو هذه المرة بمن فيه على التراب الأحمر بمقبرة عين البيضاء بوهران.. كثر جاؤوا.. - لم يمتلئ المكان من قبل هكذا..لا بد أن الفقيد أكبر من الفقد.! كانت تتهامس الأشجار في ما بينها. أهل، و فنانون من كل الأطياف، ومثقفون، ورسميون جاؤوا من أوروبا و العاصمة ومدن أخرى.. صمت أصم إلا من دقات القلوب الحائرة، الغاضبة، الحزينة. كنت أنتحي مكانا رفقة أختي بعيدا عن مراسيم الدفن الذي حضره رئيس الحكومة السيد رضا مالك، صديق علولة و أوّل من دعاه للعمل معه بوزارة الثقافة حين كان على رأسها. اقترب مني بعض الأصدقاء من بينهم الصديق بختي بن عودة، و لمين بن علو، و سيراط بومدين، و حديدوان، و بوقيراط..سلموا عليّ، لم أقل شيئا، ولم يقولوا شيئا. لغة الدموع الصامتة أوضح وأفصح. وانصرفنا في دوامة الزمن الإرهابي البغيض. وتساقطنا ولم نسقط. كنا وحدنا نقاوم، بشعبنا، وجيشنا الشعبي، وإيماننا أننا لا نملك على هذه الأرض الفسيحة وطنا آخر.
عدد المطالعات لهذا المقال : 254


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة