شكل البحث عن محددات النزوع نحو تعاطي المواد المخدرة الانشغال الأساسي لعلماء اجتماع الجريمة لوقت طويل و لا يزال لما للموضوع من أهمية في الحياة العامة للمجتمعات، و كذا لما له من تشعبات و تغيرات في الحالة والصفة والمادة والفئات المعرضة ... الخ، و اختلف هؤلاء العلماء في أساليب معالجتهم للموضوع، فمنهم من انطلق من أصل الظاهرة و توفر المادة وأشكالها ومنهم من ذهب إلى انتشار الظاهرة والفئات الاجتماعية الأكثر حضورا ضمن مجتمع المتعاطين و منهم من عالج الموضوع من جانب أثاره ومخاطره على الفرد والمجتمع وما يمكن أن ينتج جراء تعاطي هذه السموم التي باتت تهدد بشكل مباشر النسيج الاجتماعي للمجتمعات.
*هل تعاطي المواد المخدرة هو كسر للقواعد الاجتماعية؟
يتدرج هذا الفعل بين التناول والتعاطي والإدمان، و هذه المستويات مرهونة بعلاقة الشخص بالمادة المخدرة، فالأول مثلا يمكن أن يكون بمتابعة وإشراف أخصائيين للإستطباب و هذا مباح قانونا، في حين أن المستوى الثاني فهو الارتباط دون مبرر الاستطباب بين المتعاطي و المادة بدرجة متوسطة تكون مرتبطة بوضعيات معينة و فيها انقطاع لهذه العلاقة من حين لآخر، أما المستوى الثالث و هو الإدمان فانه يعبر عن العلاقة الشديدة بين الشخص و المادة المخدرة أين يصبح فيها التخلي عنها صعبا جدا، و كلا الحالتين ممنوعتين قانونا.
و مما سبق يظهر أن تعاطي المواد المخدرة في جزء كبير منه، هو كسر للقواعد الاجتماعية، و ما يدفع إلى ذلك هو الشعور بالحرية، و ضعف الرقابة أو تحدي الرقابة القوية أحيانا، دون غض الطرف عن ضغوط الحياة الاجتماعية، و كل هذا يعود في جزء كبير منه إلى طبيعة التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد، و قدرة المؤسسات الاجتماعية على إنتاج شخصية سوية في ظل السطحية التي باتت تميز إنسان العولمة، هذه الأخيرة التي عملت على اضطراب القيم الاجتماعية للمجتمعات و تفجير الحريات الفردية.
* هل متعاطي المخدرات مجرم في نظر المجتمع الذي أنتجه؟
يعد المدمن أو متعاطي المخدرات في نظر المجتمع ضحية قبل التكليف القانوني، أما بعد السن القانونية للتكليف فإنه مدان بفعل يعاقب عليه القانون خاصة في حال الضبط بامتلاك أو الاتجار بمواد مخدرة.
*لماذا يلجأ الفرد إلى استعمال المواد المخدرة؟
1- حسب السن: يكون استعمال هذه المواد في مرحلة ما قبل المراهقة والمراهقة تقليدا و تجربة وترويجا، و في حالات كثيرة خطا كان يقع ضحية لمكيدة صديق او زميل دراسة او رفيق في جماعة الرفاق أما للتسلية وإما بحثا عن قرين يشاركه الفعل و ما يترتب عن هذا الفعل.
أما في مرحلة ما بعد المراهقة، فيكون لعامل الشعور بالحرية والتخلص من قيود الرقابة دور كبير في توجه الفرد نحو المخدرات، فالبعد عن الأهل مثلا من أجل العمل أو السفر للسياحة أو للدراسة والأوساط الجديدة التي يصادفها الفرد قد تكون عاملا كبيرا لخوضه التجربة الأولى وما بعدها.
2- حسب الطبقة الاجتماعية: يختلف فعل، شكل و مبرر تعاطي المواد المخدرة بين أفراد الطبقات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال ،الأفراد المنحدرين من العائلات الغنية يستعملون مواد باهظة الثمن كالكوكايين والهروين من أجل المتعة وزيادة النشوة، أما أبناء الأحياء الفقيرة فإنهم يستخدمون الحشيش و الخشخاش و بعض العقاقير الرخيصة الثمن بحثا عن هروب مؤقت من واقع الحياة الاجتماعية التي يعيشونه.
3- حسب المحيط الاجتماعي: إن توسع دائرة المحيط الحضري ساهمت بشكل كبير في زيادة حجم تكسير الرقابة الاجتماعية، مما سهل المهمة على المتعاطين والمروجين على حد سواء، مقارنة بالمحيط الريفي الذي تكون فيه الرقابة أسهل وقوة المعايير أقوى.
4- حسب توفر المادة المخدرة: يعد هذا العنصر أهم عامل في المسألة، فسهولة الحصول على المادة ورواجها يساهم بشكل كبير في توسع دائرة المستهلكين، و بالحديث عن الحالة الجزائرية، فبعد أن كنا نتحدث عن الجزائر كمنطقة عبور بنسبة تفوق 75% بتنا نتحدث عن منطقة استهلاك هذا من جهة، ومن جهة أخرى تغير نوع المواد المخدرة المتوفرة فبعد أن كان الأرقام تتحدث عن الحشيش و القنب الهندي أصبح هذا الأخير نادر الذكر في الأرقام الخاصة بالسنوات الأخيرة ليحل محلها العقاقير المخدرة و المواد الصلبة.
إن الحديث عن المخدرات و خاصة العقاقير و المواد الصلبة من كوكايين و هروين و كراك ...الخ التي أصبحت متوفرة بكثرة و خاصة في السوق السوداء مثلما تشير إليه وسائل الإعلام بشكل يومي في الأرقام المقدمة من قبل الهيئات الرسمية، يدفع إلى دق ناقوس الخطر بشكل عاجل، من اجل محاربتها بيد من حديد لما لهذه العقاقير و المواد من أثار تخريبية على أعصاب و عقول متعاطيها و ما يترتب عنها من تفكك للنسيج الاجتماعي العام.
أكتب تعليقك