أكد الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور أحمد ميزاب أن زيارة الفريق أول سعيد شنقريحة إلى سلطنة عمان ،تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها الإقليمي والدولي الدقيق، حيث تأتي في ظل تحولات متسارعة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وإعادة تشكل موازين القوى، وتنامي التحديات الأمنية التي تمتد تداعياتها من الخليج العربي إلى منطقة الساحل الإفريقي.
وقال ميزاب ،أن الزيارة تعكس حرص الجزائر على تنويع شراكاتها الاستراتيجية والعسكرية ،وعدم حصر تعاونها ضمن فضاءات جغرافية محددة، بما ينسجم مع رؤيتها القائمة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الاقليميين، كما تؤكد توجه البلدين نحو تعزيز التنسيق والتشاور بين الدول العربية التي تتبنى مقاربات عقلانية ومتزنة في إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات الأمنية المعقدة.
هذا وأوضح محدثنا الدلالة المهمة للزيارة، والمتمثلة في ترسيخ قناعة متزايدة بأن الأمن العربي أصبح منظومة مترابطة لا يمكن فصل مكوناتها عن بعضها البعض، فاستقرار الشرق الأوسط ينعكس بصورة مباشرة على أمن شمال إفريقيا، كما أن التحديات التي تواجه الفضاء المغاربي والساحلي باتت ذات تأثير متبادل مع التطورات الجارية في المشرق العربي.
ومن زاوية أخرى، يرى الخبير الأمني الزيارة على أنها خطوة تعبر عن انتقال العلاقات الجزائرية العمانية من مرحلة التفاهم السياسي والدبلوماسي إلى مرحلة أكثر تقدماً تشمل التعاون الأمني والدفاعي، بما يعكس مستوى الثقة المتبادلة بين البلدين ورغبتهما في بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد ،إلى جانب أن زيارة الفريق أول سعيد شنقريحة لمسقط تبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الدول التي حافظت على استقلالية قرارها الوطني ونهجها المتوازن في العلاقات الدولية أصبحت اليوم أكثر حاجة إلى تعزيز التنسيق فيما بينها، في مواجهة حالة الاستقطاب والتجاذب التي تشهدها المنطقة، بما يسهم في حماية الاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص التعاون والتنمية والأمن المشترك.
وفيما يخص التعاون العسكري بين الجزائر وسلطة عمان، أبرز ميزاب أنه قائم على مبدأ تبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة، بالنظر إلى خصوصية البيئة الاستراتيجية لكل بلد وما واكبه من تجارب ميدانية ومؤسساتية في مواجهة التحديات الأمنية المختلفة، فكل طرف يمتلك خبرات نوعية يمكن أن تشكل قيمة مضافة للطرف الآخر ضمن إطار شراكة قائمة على التكامل وليس التبعية.
وفي هذا الإطار، يضيف المتحدث أن الجزائر يمكنها الاستفادة من التجربة العمانية في مجالات الأمن البحري وحماية الممرات الاستراتيجية، خاصة أن سلطنة عمان تقع في بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية ترتبط بأحد أهم الممرات البحرية العالمية، كما يمكن الاستفادة كذلك من الخبرات العمانية المتعلقة بإدارة التهديدات البحرية وآليات التنسيق الأمني في البيئات البحرية المعقدة، إضافة إلى التجارب العملياتية المرتبطة بمنطقة الخليج العربي وما تفرضه من تحديات أمنية خاصة.
في المقابل، تمتلك الجزائر على حد قول الخبير الأمني رصيداً مهماً من الخبرة العسكرية والأمنية اكتسبته عبر عقود من التعامل مع التهديدات الإرهابية، فضلاً عن خبرتها في تأمين الحدود البرية الشاسعة وإدارة الأزمات الأمنية في البيئات الصحراوية القاسية. إضافة إلى مواكبة المؤسسة العسكرية الجزائرية خبرات معتبرة في مجالات مكافحة الإرهاب والعمل الاستخباراتي ومواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وهي مجالات أصبحت تحظى بأهمية متزايدة في ظل التحولات الأمنية التي تعرفها العديد من مناطق العالم، ناهيك عن التجارب العملية التي خاضتها في محيط إقليمي معقد يمتد من شمال إفريقيا إلى منطقة الساحل وما وفره ذلك من معارف متقدمة في مجالات التخطيط العملياتي والتكوين العسكري وإدارة المخاطر الأمنية متعددة الأبعاد.
وعليه، فإن التعاون العسكري بين الجزائر وسلطنة عمان استنادا للخبير الأمني ، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إطار للتنسيق التقني أو تبادل الزيارات والخبرات، بل باعتباره خطوة استراتيجية نحو بناء شراكة أمنية ودفاعية متقدمة بين دولتين تتقاسمان رؤية متقاربة تجاه قضايا الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية، وتسعيان إلى تعزيز قدراتهما الذاتية في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.
أكتب تعليقك