لم يكن إعلان الشروع الفعلي في استغلال منجم الحديد بغارا جبيلات بولاية تندوف حدثا اقتصاديا عابرا، بل محطة مفصلية في مسار التحولات الكبرى التي تقودها الجزائر تحت إشراف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
فالمشروع الذي طالما وُصف بـ" الحلم المؤجل" خرج أخيرا من دائرة الدراسات والتقديرات إلى منطق الإنجاز الميداني، حاملا في طياته أبعادا اقتصادية واستراتيجية وسياسية تعكس تحوّلا عميقا في فلسفة الدولة تجاه استغلال ثرواتها الطبيعية وبناء نموذج تنموي جديد.
إطلاق غارا جبيلات يأتي في سياق وطني ودولي معقد، يتسم بتقلب الأسواق العالمية، وتراجع موثوقية الريع الطاقوي، واشتداد المنافسة على الموارد الاستراتيجية. وهو ما جعل من إعادة بعث قطاع المناجم خيارا حتميا، وليس مجرد بديل ظرفي، ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات.
[ ثروة ضخمة ظلّت حبيسة التسويف ]
يعد منجم غارا جبيلات أحد أكبر مكامن الحديد في العالم، باحتياطات هائلة تقدّر بمليارات الأطنان، غير أن هذه الثروة بقيت لعقود طويلة خارج دائرة الاستغلال الفعلي. تعود أسباب ذلك إلى تعقيدات تقنية مرتبطة بطبيعة الخام، وصعوبات لوجستية بحكم الموقع الجغرافي البعيد، فضلا عن خيارات اقتصادية سابقة لم تكن تضع قطاع المناجم ضمن أولويات التنمية. غير أن التحولات العميقة التي عرفتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد 2019، أعادت الاعتبار لهذا الملف الاستراتيجي. فقد بات واضحا أن الرهان على المحروقات وحدها لم يعد كافيا لضمان استقرار اقتصادي طويل المدى، ما استدعى توجيه البوصلة نحو القطاعات المنتجة، وفي مقدمتها المناجم.
ما يمنح مشروع غارا جبيلات بعده الاستثنائي هو المقاربة التي اعتمدتها الدولة في إطلاقه. فبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية، لم ينظر إلى المنجم كمصدر لاستخراج الخام وتصديره في صورته الأولية، بل كحلقة محورية ضمن سلسلة قيمة صناعية متكاملة.
فالاستغلال يشمل المعالجة الأولية في موقع المنجم، ثم تحويل الحديد إلى مركزات وكريات، قبل توجيه الإنتاج لتلبية احتياجات الصناعات الوطنية، خاصة الحديد والصلب، مع فتح آفاق التصدير عبر ميناء وهران. هذه الرؤية تعكس تحولا نوعيا في السياسة الاقتصادية، قوامه تثمين الموارد محليا، وخلق قيمة مضافة، ودعم النسيج الصناعي الوطني. كما يندرج المشروع ضمن إعادة هيكلة شاملة لقطاع المناجم، ليصبح رافدا حقيقيا لبناء قاعدة صناعية قوية، قادرة على تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الميزان التجاري.
[ أبعاد سيادية تتجاوز الحسابات الاقتصادية ]
لا يمكن فصل مشروع غارا جبيلات عن أبعاده الاستراتيجية. فالتحكم في مورد حيوي كالحديد يمنح الجزائر هامشا أوسع من السيادة الاقتصادية والصناعية، خاصة في ظل الاضطرابات العالمية وسلاسل التوريد غير المستقرة. كما يعزز المشروع الأمن الصناعي الوطني، ويقلص التبعية للأسواق الخارجية في مواد أساسية. إضافة إلى ذلك، يشكّل غار جبيلات رافعة حقيقية لتنمية الجنوب الغربي، عبر خلق فرص عمل، وتطوير البنى التحتية، واستقطاب استثمارات صناعية مرافقة، ما يساهم في تحقيق توازن تنموي طال انتظاره بين مختلف مناطق البلاد. فسياسيا، يحمل المشروع رسالة واضحة مفادها أن الجزائر دخلت مرحلة الحسم في تجسيد المشاريع الكبرى، وأن الدولة استعادت دورها كمخطط ومنفذ للمشاريع الاستراتيجية، بعيدًا عن منطق التأجيل والتردد الذي طبع مراحل سابقة.
رغم الزخم الذي رافق إطلاق غارا جبيلات، يبقى التحدي الحقيقي مرتبطا بقدرة الدولة على ضمان استمرارية المشروع ونجاعته الاقتصادية. فنجاح " مشروع القرن" لا يقاس فقط ببدء الاستغلال، بل بمدى قدرته على الاندماج في الاقتصاد الوطني، وتحقيق عائدات مستدامة، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات الوطنية. كما يتطلب المشروع حوكمة فعالة، ورؤية طويلة المدى، توازن بين متطلبات الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على البيئة، وبين الانفتاح على الشراكات المدروسة وحماية القرار السيادي.
وإلى ذلك يمثل إطلاق مشروع غار جبيلات علامة فارقة في مسار الجزائر نحو بناء اقتصاد متنوع وقوي. فهو ليس مجرد منجم حديد، بل عنوان لتحول استراتيجي في الرؤية الاقتصادية والسياسية للدولة. وبين ماضٍ اتسم بتأجيل الاستغلال، وحاضر يكرّس منطق الفعل، يبرز غار جبيلات كأحد أهم رهانات عهد الرئيس عبد المجيد تبون، ومكسب استراتيجي يعوَّل عليه لإرساء أسس اقتصاد ما بعد المحروقات.
وللتذكير، يعدّ مشروع غارا جبيلات من أضخم المشاريع المنجمية في إفريقيا، إذ يقوم على استغلال أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم، ويشمل إنجاز خط سكة حديدية بطول يقارب 950 كلم يربط المنجم بالشبكة الوطنية، إلى جانب وحدات للمعالجة والتحويل، بما يفتح آفاقا واسعة للصناعة الثقيلة ويعزّز موقع الجزائر في سلاسل القيمة العالمية .
أكتب تعليقك