أسّس لثقافة سياسية تقوم على الحوار والشرعية والتداول : الجزائر لن تنسى فضل رئيس جمهوريتها السادس

تحاليل الجمهورية
في تاريخ الدول، تبرز لحظات مفصلية تختبر صلابة مؤسساتها وقدرة قياداتها على إدارة الأزمات المعقدة، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع التحولات السياسية، وتصبح القرارات المصيرية عنوانًا لبقاء الدولة أو انزلاقها نحو المجهول. وقد عاشت الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي واحدة من أكثر هذه المراحل حساسية، حين واجهت وضعًا استثنائيًا طبعته أعمال عنف واسعة، وانقسام سياسي عميق، وتراجع في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برز الرئيس الأسبق اليمين زروال كأحد أبرز رجال الدولة الذين تحمّلوا مسؤولية تاريخية تمثلت في قيادة البلاد خلال مرحلة انتقالية دقيقة، كان عنوانها الأبرز إنقاذ الوطن والحفاظ على تماسكه. [ سياق أمني وسياسي معقد منتصف التسعينيات ] لقد جاء تولّي زروال رئاسة الجمهورية سنة 1995 في سياق لم يكن عاديًا بأي حال من الأحوال، بل فرضته الضرورة الوطنية، حيث كانت الدولة في حاجة إلى شخصية تتمتع بالمصداقية والانضباط، وقادرة على اتخاذ قرارات صعبة دون الوقوع في منطق المغامرة. ومنذ بداية عهدته، سعى إلى ترسيخ مقاربة متكاملة تقوم على استعادة الأمن، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح آفاق للحوار السياسي، بما يضمن معالجة جذور الأزمة وليس فقط مظاهرها. وقد انعكست هذه الرؤية في مختلف السياسات التي اعتمدها، والتي اتسمت بالتدرج والواقعية. [ قانون الرحمة: الانطلاقة الأولى لمسار المصالحة ] وفي هذا الإطار، شكّلت مبادرة «قانون الرحمة» سنة 1995 نقطة تحول مفصلية في مسار معالجة الأزمة، حيث جسّدت أول محاولة عملية للانتقال من منطق المواجهة الشاملة إلى منطق الاحتواء السياسي والاجتماعي. وقد أتاح هذا القانون فرصة لعدد من المسلحين للتخلي عن العنف والعودة إلى الحياة المدنية ضمن شروط قانونية تهدف إلى إعادة الإدماج وتقليص دائرة الصراع. ولم يكن هذا الخيار سهلًا في سياق كانت فيه الدعوات إلى الحسم الأمني هي الغالبة، غير أن زروال راهن على أن السلم لا يمكن أن يتحقق دون فتح باب الأمل أمام من يرغب في العودة إلى كنف الدولة. وقد أسهم هذا التوجه في تحقيق نتائج تدريجية، حيث بدأت مؤشرات الانفراج تظهر على الساحة الوطنية، وتراجع منسوب العنف نسبيًا، ما سمح بعودة جزء من الاستقرار إلى الحياة اليومية للمواطنين. كما ساهم «قانون الرحمة» في تهيئة الأرضية لمقاربات لاحقة أكثر شمولًا في مجال المصالحة الوطنية، إذ يمكن اعتباره اللبنة الأولى لمسار طويل انتهجته الجزائر لاحقًا لتعزيز السلم الأهلي وترسيخ ثقافة التعايش. ولم تقتصر سياسة زروال على المبادرات ذات الطابع الأمني أو الاجتماعي، بل شملت أيضًا العمل على إعادة بناء الشرعية السياسية من خلال تنظيم انتخابات رئاسية تعددية سنة 1995، في خطوة عكست إرادة واضحة للعودة إلى المسار الدستوري. وقد مثّلت هذه الانتخابات محطة مهمة في استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، رغم الظروف الصعبة التي جرت فيها، كما أكدت أن الدولة ماضية في تكريس مبدأ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية كمرجعية أساسية للحكم. وفي سياق موازٍ، اعتمدت قيادة زروال على استراتيجية مزدوجة جمعت بين الحزم في مواجهة التهديدات التي تمس أمن الدولة، والانفتاح على الحوار مع مختلف الفاعلين السياسيين. وقد مكّن هذا التوازن من الحفاظ على هيبة الدولة دون إغلاق الباب أمام الحلول السياسية، وهو ما ساعد على إعادة بناء جسور الثقة تدريجيًا بين مختلف مكونات المجتمع. كما ساهم في تعزيز قدرة المؤسسات على أداء مهامها في ظل ظروف استثنائية، وهو ما حال دون انهيارها أو فقدانها لفعاليتها. ومن الجوانب اللافتة في تجربة زروال أسلوبه في إدارة الشأن العام، حيث اتسم بالهدوء والابتعاد عن الخطاب الشعبوي، مفضلًا العمل بصمت والتركيز على النتائج الملموسة. وقد ساهم هذا النهج في ترسيخ صورة رجل الدولة المتزن، الذي يضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، ويتعامل مع السلطة كمسؤولية لا كامتياز. كما أن خلفيته العسكرية لم تمنعه من الانفتاح على العمل السياسي، بل مكّنته من الجمع بين الانضباط والمرونة في اتخاذ القرار. [ تكريس مبدأ التداول على السلطة ] وتُعدّ محطة سنة 1999 من أبرز المحطات التي تعكس طبيعة رؤية زروال للسلطة، حيث أعلن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، وقرّر عدم الاستمرار في الحكم، رغم إمكانية بقائه في ظل الظروف القائمة آنذاك. وقد شكّل هذا القرار سابقة في الحياة السياسية، إذ عكس التزامًا عمليًا بمبدأ التداول على السلطة، ورسالة قوية مفادها أن الشرعية لا تُحتكر، وأن خدمة الوطن لا ترتبط بالاستمرار في المنصب. كما ساهم هذا الموقف في فتح المجال أمام انتقال سياسي سلمي، عزّز من استقرار الدولة في مرحلة لاحقة. إن قراءة تجربة زروال اليوم، بعد مرور سنوات على تلك المرحلة، تُبرز بوضوح أنه كان أمام تحدٍّ مركّب يتطلب توازنًا دقيقًا بين متطلبات الأمن وضرورات الانفتاح السياسي. وقد نجح، إلى حد بعيد، في تحقيق هذا التوازن من خلال تبني سياسات واقعية ومبادرات جريئة، ساهمت في حماية الجزائر من مخاطر الانزلاق نحو الفوضى. كما أن إرثه السياسي لا يقتصر على ما تحقق في عهده، بل يمتد إلى كونه وضع أسسًا لمسار المصالحة الوطنية الذي استمر لاحقًا بأشكال مختلفة. وفي سياق استحضار هذه التجربة، لا يمكن إغفال البعد الرمزي لشخصية زروال، الذي ظل يُنظر إليه كرجل دولة «صامت»، يفضل الابتعاد عن الأضواء ويترك أفعاله تتحدث عنه. وقد عزّز هذا السلوك من مكانته في الذاكرة الوطنية، باعتباره نموذجًا للقيادة التي تتسم بالتواضع والالتزام، وتضع خدمة الوطن فوق كل الاعتبارات الشخصية. إن الجزائر، وهي تستحضر اليوم مسار أحد أبنائها الذين تحمّلوا مسؤولية ثقيلة في ظرف استثنائي، إنما تستعيد صفحة من تاريخها الحديث بما تحمله من دروس وعبر. فقد أثبتت تلك المرحلة أن إدارة الأزمات تتطلب شجاعة في القرار، ومرونة في المقاربة، وقدرة على الجمع بين متطلبات الحاضر واستشراف المستقبل. كما أكدت أن قوة الدولة لا تكمن فقط في إمكاناتها، بل في حكمة قيادتها ووعيها بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها. وفي الختام، يبقى الرئيس الأسبق اليمين زروال واحدًا من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في مسار الدولة الجزائرية، من خلال دوره في قيادة مرحلة انتقالية دقيقة، ومساهمته في إطلاق أولى مبادرات المصالحة الوطنية. ورغم تعقيدات المرحلة، فقد استطاع أن يرسم معالم طريق نحو الاستقرار، وأن يؤسس لثقافة سياسية تقوم على الحوار والشرعية، وهي قيم ستظل حاضرة في مسار الجزائر نحو بناء مستقبل أكثر تماسكًا واستقرارًا.

يرجى كتابة : تعليقك