الرؤساء في حياة الأمم عادة ما يأتون إلى سدة الحكم بعد مخاض عسير جراء تصادم المواقف السياسية و المصالح الحزبية و تدافع المنافع الشخصية و الجماعية , و لكن يأتون بالخصوص لتجاوز الأزمات التي تعطل السير الحسن للمؤسسات الشرعية السياسية و القانونية و الأمنية ...و يشكل الرئيس الراحل المرحوم اليامين زروال أبرز مثال عن هؤلاء الرؤساء المتميزين, كونه جاء عقب العشرية السوداء بل و في خضمها , ليشكل لبنة في مسار استرجاع البلاد لاستقرارها الأمني و السياسي و بعث المؤسسات الدستورية من جديد لتؤدي مهامها بصورة عادية , كما تمثل فترة رئاسته بداية عهد جديد هيأ أجواء تعافي الحياة السياسية , و كان بمثابة رسالة إلى الدول الغربية على وجه الخصوص بأن مقارباتها حول أوضاع الجزائر لم تكن صائبة , و أن العزلة التي فرضتها على الجزائر لم يكن لها ما يبررها.
انه أحد رؤساء الجزائر الذين انتُخبوا بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر 1995، و لكنه في 11 سبتمبر 1998، أعلن الرئيس الراحل إجراء انتخابات رئاسية مسبقة، لينهي بذلك عهدته الرئاسية قبل أوانها في 27 أبريل 1999, ليفتح المجال لعودة السلطة إلى مساريها الديمقراطي عبر الانتخابات التعددية, فتمكن المرحوم بذلك من إدارة أخطر أزمة شهدتها الجزائر في تاريخها و تجاوز انعاكاساتها على استقرار البلاد بأخف الأضرار .
كما يعرف المرحوم زروال بمفاوضاته القوية وهيبته، فقد رفض لقاء الرئيس الفرنسي في ظل شروط غير ملائمة ، كما رفض الرضوخ للكثير من مطالب صندوق النقد الدولي المجحفة مما ساعد في الحفاظ على مستويات معيشية مقبولة للمواطنين .
ورفض المرحوم الاستمرار في الحكم و أنهى فترة رئاسته قبل الأوان تمسكا بالمبادئ التي حددها لنفسه في قيادة البلاد بعيدا عن كل أشكال الضغوط .
لقد قاد المرحوم اليمين زروال البلاد في أصعب الظروف، وتعامل بحنكة و حكمة مع تناقضات المشهد السياسي في الجزائر موظفا مرونته في التعامل مع القضايا المتشابكة، متحملا بشجاعة مسؤولية الرئاسة في ظروف صعبة. ليعود بعد نهاية عهدته إلى منزله في مسقط رأسه بباتنة، وهو تقليد نادر حتى في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية العريقة متنازلا عن سيارة فاخرة من نوع مرسيدس وفيلا في الجزائر العاصمة.
و رغم اعتزاله الحكم إلا أنه ظل وفيا لخدمة البلاد بالمشورة و الدعم للسلطات البلاد في الكثير من القضايا و الملفات الشائكة التي يملك حولها الخبرة و تقديم المشورة لصالح البلاد و العباد.
و رحم الله فقيد الجزائر الذي وافاه أجله في الجزائر العاصمة ليلة السبت 28 مارس 2026 ميلاديًا الموافق 9 شوال 1447 هجريًا عن عمرٍ ناهز 84 عامًا، بعد صراعٍ طويلٍ مع مرض عضال ؛ و نعت رئاسة الجمهورية في بيانٍ رسميٍ لها وفاة رئيس الجمهورية السابق المجاهد اليمين زروال بالمستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالعاصمة"...فرحم الله فقيد الجزائر و اسكنه فسيح جنانه ...آمين.
أكتب تعليقك