م يكن رحيل الرئيس الأسبق اليامين زروال حدثًا عابرًا في وجدان الجزائريين، بل شكّل لحظة استحضار جماعي لمسار رجل ارتبط اسمه بواحدة من أدقّ وأصعب المراحل في تاريخ الجزائر المعاصر.
فمنذ الإعلان عن وفاته، تتابعت شهادات المواطنين وفعاليات المجتمع المدني، لتؤكد بالإجماع أن الجزائر فقدت رجل دولة اتسم بالحكمة والهدوء، وترك بصمة راسخة في مسار استعادة الأمن والاستقرار.
في الشارع، كما في الفضاءات العامة، عبّر مواطنون من مختلف الأعمار والفئات عن تقديرهم الكبير للرجل الذي اختار أن يحكم بصمت، بعيدًا عن الأضواء والضجيج السياسي. «كان رجل المرحلة الصعبة»، عبارة تكررت على ألسنة كثيرين، في إشارة إلى تلك الفترة الحساسة من تسعينيات القرن الماضي، حين كانت البلاد تواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة، في سياق ما يُعرف بـ"العشرية السوداء".
ويرى متتبعو الشأن العام أن زروال لم يكن مجرد رئيس عابر، بل كان شخصية توافقية استطاعت أن تجمع بين الحزم والمرونة، وبين متطلبات الأمن وضرورات التهدئة.
فقد انتهج سياسة قائمة على تغليب منطق الحوار، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة، في وقت كانت فيه البلاد في أمسّ الحاجة إلى قيادة متزنة. ويؤكد أحد الفاعلين في المجتمع المدني أن "زروال لم يكن رجل مواجهة فقط، بل كان رجل مصالحة، أدرك أن الجزائر بحاجة إلى لملمة جراحها".
وتتقاطع شهادات المواطنين حول سمة أساسية طبعت شخصية الراحل، وهي التواضع وقربه من الناس فقد ظل، حتى بعد مغادرته الحكم، حاضرًا في الذاكرة الجماعية كرجل لم يسعَ إلى السلطة بقدر ما سعى إلى خدمة الوطن.
هذا البعد الأخلاقي في شخصيته جعله نموذجًا مميزًا في نظر كثيرين، خاصة في زمن تتزايد فيه الانتقادات للطبقة السياسية.
من جهتهم، أشاد منتخبون محليون، ونخب أكاديمية، وإطارات إدارية بمسار الراحل، معتبرين أنه نجح في إدارة مرحلة انتقالية معقدة بأقل الخسائر الممكنة. ويجمع هؤلاء على أن قراراته، رغم صعوبتها، كانت تصب في مصلحة استقرار الدولة، وأنه أظهر قدرة كبيرة على التوفيق بين مختلف التوجهات، في ظرف كان الانقسام فيه سيد الموقف.
كما نوّهت فعاليات المجتمع المدني بالدور الذي لعبه زروال في إعادة بعث الأمل لدى الجزائريين، من خلال فتحه آفاقًا للحوار، وإرسائه أسسًا لمرحلة جديدة قوامها السلم والاستقرار. ورغم التحديات الكبيرة التي واجهته، فإنه استطاع أن يضع البلاد على سكة التعافي، وهو ما يُحسب له في ميزان التاريخ.
وفي شهادات أخرى، أكدت مواطنات أن الراحل كان يمثل «صوت الحكمة» في زمن الاضطراب، وأنه منح الجزائريين شعورًا بالأمان في فترة كانت مشوبة بالخوف وعدم اليقين. وتقول إحداهن: "كنا نشعر أن هناك رجل دولة يفكر في مستقبل البلاد، لا في مصالحه الشخصية".
أما فئة الشباب، التي لم تعايش تلك المرحلة بشكل مباشر، فقد عبّرت بدورها عن اهتمام متجدد بشخصية زروال، من خلال تداول سيرته ومواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويرى بعضهم أن استحضار تجربة الرجل اليوم يحمل دروسًا مهمة، خاصة فيما يتعلق بأهمية الحوار والتوازن في إدارة الأزمات.
وفي قراءة تحليلية، يمكن القول إن الإجماع الشعبي حول شخصية اليامين زروال يعكس حاجة المجتمع إلى نماذج قيادية تتسم بالنزاهة والاتزان، بعيدًا عن الصراعات الضيقة. كما يكشف عن تقدير عميق للدور الذي لعبه في حماية الدولة خلال فترة مفصلية، حيث كانت الخيارات محدودة والرهانات كبيرة.
لقد كان زروال، في نظر كثيرين، «الرجل الصامت» الذي فضّل العمل في هدوء، بعيدًا عن الشعارات، مركزًا على تحقيق الاستقرار كأولوية قصوى. وبينما تختلف التقييمات السياسية لتجربته، يبقى الإجماع قائمًا حول صدق نواياه وإخلاصه في خدمة الوطن.
ومع رحيله، تستحضر الجزائر صفحة من تاريخها الحديث، بكل ما حملته من آلام وتحديات، ولكن أيضًا من دروس وعِبر. وتبقى سيرة اليامين زروال شاهدًا على مرحلة كان فيها الرهان على بقاء الدولة، وعلى قدرة أبنائها على تجاوز المحن.
في الأخير، لا تبدو الإشادة الشعبية بالراحل مجرد تعبير عاطفي عابر، بل هي اعتراف جماعي برجل تحمّل مسؤولية ثقيلة في زمن استثنائي، ونجح، إلى حدّ كبير، في قيادة البلاد نحو برّ الأمان. وبين الذاكرة والتاريخ، يظل اسم المجاهد والرئيس الأسبق اليامين زروال حاضرًا كأحد أبرز رجالات الدولة الذين تركوا أثرًا لا يُمحى في مسار الجزائر.
أكتب تعليقك