ودّعت الجزائر، اليوم، المجاهد ورئيس الجمهورية الأسبق، المرحوم اليامين زروال، إلى مثواه الأخير، في مراسم جنائزية رسمية أشرف عليها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بصفة شخصية، رفقة العديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين في الدولة الجزائرية، التي خدمها الفقيد بشجاعة وصدق وإخلاص ونزاهة.
وقد التحق الراحل بصفوف جيش التحرير الوطني، وعمره لا يتجاوز 16 سنة، مجاهدًا في سبيل تحرير الوطن من براثن الاحتلال الفرنسي. وواصل نضاله وانخراطه في الجيش الوطني الشعبي بعد استرجاع الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية سنة 1962، حيث تولى العديد من المسؤوليات العسكرية بكفاءة واقتدار، في النواحي العسكرية والقوات البرية، وكذا في الأكاديمية العسكرية بشرشال.
وترقى في الرتب العسكرية إلى أن بلغ رتبة عميد، وعُيّن وزيرًا للدفاع سنة 1993، في ظروف صعبة، قبل أن تختاره ندوة الوفاق الوطني، في 30 جانفي 1994، رئيسًا للدولة. وقد عمل على تهيئة الظروف وقيادة سفينة الوطن بحكمة وسط العواصف والزوابع، إبان العشرية السوداء، حيث ساهمت النتائج السياسية والأمنية التي تحققت بفضل تسييره في تجنيب الدولة الجزائرية خطر الانهيار.
كما استطاع تهيئة الظروف للعودة إلى المسار الانتخابي، وترسيخ التعددية الحزبية والإعلامية والنقابية، والخروج من المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات رئاسية تعددية في أفريل 1995، تقدم لها كمرشح حر، وفاز فيها بأغلبية الأصوات. وقام بتعديل الدستور سنة 1996، الذي حدّد العهدة الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
وكانت المسؤولية تُعرض عليه ولا يسعى إليها ولا يتشبث بها، حتى وإن كانت رئاسة الجمهورية، ولهذا أعلن عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة سنة 1999، ولم يترشح لها، وسلم المهام للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وعاد إلى مدينة باتنة، مسقط رأسه وملعب صباه، ليعيش وسط أهله وأصدقائه في تواضع جم، دون حراسة أو انعزال، يسلم عليه الصغير والكبير.
فلا عجب أن تبكيه باتنة، وأن يحزن لفراقه أهلها، ولا أن تبكيه الجزائر كلها، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، رغم اعتزاله الحكم واختفائه عن الأضواء، والتزامه الصمت، والمحافظة على أسرار الدولة لأكثر من ربع قرن، دون أن ينشر مذكراته. غير أن قيمة الرجال تبقى، وخصالهم العظيمة تُحفظ ولا تُنسى، ومن هؤلاء الفقيد اليامين زروال، المجاهد الرمز، والوطني الأصيل.
وقد أعلن رئيس الجمهورية الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، عقب تلقيه خبر وفاته بالمستشفى العسكري المركزي بعين النعجة. وتم نقل جثمانه الطاهر، يوم الأحد، إلى قصر الشعب لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، حيث كان الحضور قويًا من مسؤولي الدولة، في مقدمتهم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، إلى جانب ممثلي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وعدد كبير من المواطنين الذين عبّروا عن حزنهم العميق لفقدان هذا الرجل الوطني.
ونُقل جثمانه، أمس، إلى باتنة، مقر سكنه، حيث كان حضور المواطنين كبيرًا جدًا، رغم الجو البارد والأمطار الغزيرة وتساقط الثلوج. وبعد إلقاء نظرات الوداع بمقر الولاية، تولت فرقة من الجيش الوطني الشعبي حمل نعشه على الأكتاف، والتوجه به إلى مقبرة بوزوران المركزية بباتنة، في موكب جنائزي مهيب، طغت عليه أجواء الحزن والخشوع.
وأُقيمت صلاة الجنازة عليه، وأُلقيت كلمات تأبينية من طرف ممثل الجيش الوطني الشعبي وممثل المنظمة الوطنية للمجاهدين، نوّهوا فيها بخصاله العظيمة وخدماته الجليلة للوطن منذ نعومة أظافره، وبزهده وتواضعه وشجاعته وغيرته على بلاده، واستجابته الدائمة لنداء الوطن كلما استدعته الظروف.
وقد كرّمت الجزائر الفقيد في حياته بالعديد من الجوائز والأوسمة، وكرمته أمس بتوديعه وداع الأبطال. رحم الله المجاهد اليامين زروال رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
أكتب تعليقك