تيسمسيلت : معركة "باب البكوش" ملحمة تاريخية في قلب جبال الونشريس

تيسمسيلت  : معركة "باب البكوش" ملحمة تاريخية في قلب جبال الونشريس
الجهوي
تحيي ولاية تيسمسيلت، هذا الخميس، الذكرى الثامنة والستون لمعركة “باب البكوش” التاريخية، إحدى أبرز المحطات التاريخية التي صنعت مجد الثورة التحريرية المجيدة، وبقيت راسخة في الذاكرة الوطنية باعتبارها نموذجا للصمود والتضحية والفداء في مواجهة آلة القمع الاستعمارية الفرنسية، بعدما احتضنت جبال الونشريس وقائعها بين 28 و31 ماي من عام 1958 على مستوى منطقة باب البكوش التابعة إقليميا لبلدية لرجام، وكانت المنطقة مسرحا لمواجهة بطولية استمرت ثلاثة أيام كاملة، سطر خلالها المجاهدون صفحات خالدة من المقاومة والكفاح. وتكتسي هذه المناسبة التاريخية أهمية بالغة لدى سكان المنطقة والأسرة الثورية، بالنظر إلى ما تمثله معركة باب البكوش من رمزية وطنية ارتبطت بتضحيات جسام قدمها أبناء الوطن في سبيل استرجاع الحرية والسيادة الوطنية، إذ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت منعطفا بارزا في مسار الكفاح المسلح بمنطقة الونشريس، ورسخت قدرة جيش التحرير الوطني على مجابهة القوات الاستعمارية رغم الفارق الكبير في العتاد والإمكانات. وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور لخضر سعيداني، أستاذ التاريخ بجامعة أحمد بن يحي الونشريسي، أن معركة باب البكوش مثلت تجسيدا حقيقيا لمعاني النضال والتحدي، حيث واجه المجاهدون القوات الاستعمارية الفرنسية المدججة بالسلاح والتي اعتمدت آنذاك على سياسات الحصار والتمشيط الواسع والتقتيل الجماعي والتهجير القسري من أجل إحكام السيطرة على المنطقة والقضاء على النشاط الثوري. وأضاف المتحدث نفسه، أن المعركة خاضتها الكتيبة “الكريمية” بقيادة الشهيد البطل سي عمر مصباح، مدعومة بفصيلة تابعة للولاية الخامسة التاريخية من منطقتها الرابعة بقيادة المجاهد سي طارق، وذلك ردا على محاولة القوات الاستعمارية اقتحام المنطقة الحرة بجبال الونشريس، والتي كانت تأوي مؤسسات ومصالح استراتيجية تابعة لجيش التحرير الوطني وتشكل نقطة ارتكاز هامة للمجاهدين. وبحسب المصدر ذاته، فقد تحولت المنطقة خلال أيام المواجهة إلى ساحة اشتباكات عنيفة بين الطرفين، أسفرت عن خسائر معتبرة في صفوف الجيش الفرنسي، تجاوزت – وفق الروايات التاريخية المتداولة – 600 قتيل من بينهم 33 ضابطا، إلى جانب إسقاط طائرتين حربيتين، في حين ارتقى إلى مرتبة الشهادة 130 شهيدا من عناصر جيش التحرير الوطني والمسبلين والمدنيين الذين شاركوا في دعم الثورة، ليتركوا بدمائهم الزكية واحدة من أنصع صور التضحية التي حفظها التاريخ الوطني. وأشار الدكتور سعيداني، إلى أن أهمية معركة باب البكوش لم تقتصر على بعدها العسكري فحسب، بل ارتبطت أيضا بالموقع الاستراتيجي الذي كانت تمثله المنطقة، حيث شكلت ممرا أساسيا وملاذا آمنا للمجاهدين ومركزا حيويا لتمركز وحدات جيش التحرير الوطني، وهو ما جعلها هدفا دائما للعمليات العسكرية الاستعمارية ومحاولات الاختراق المتكررة، مبرزا في السياق أنه برزت أسماء عدد من القادة التاريخيين الذين ارتبطت تحركاتهم العسكرية بمنطقة الونشريس، على غرار الشهيد محمد بونعامة، وسي حسان، وسي طارق، وسي أعمر، حيث قادت هذه المجموعات الثورية عمليات نوعية تمثلت في نصب كمائن دقيقة وخوض مواجهات مباشرة مع القوات الفرنسية استمرت لثلاثة أيام متواصلة، وانتهت بانسحاب القوات الاستعمارية بعد تكبدها خسائر معتبرة أمام شراسة المقاومة وإصرار المجاهدين على الدفاع عن الأرض والوطن. وفي اليوم الأخير من المعركة، دخلت الكتيبة “الحميدية” بقيادة المجاهد سليمان الغول على خط المواجهة، من خلال تنفيذ سلسلة هجمات مباغتة استهدفت مواقع الاحتلال بمناطق برج بونعامة، عين بعلاش، سيدي عابد ولرجام، وهو ما ساهم في فك الحصار وتعزيز التموقع الميداني لقوات جيش التحرير الوطني، الأمر الذي منح المعركة بعدا استراتيجيا إضافيا وأسهم في ترجيح كفة المجاهدين. وبالتزامن مع إحياء المناسبة في ذكراها الـ 68 ، تنظم مديرية المجاهدين وذوي الحقوق لولاية تيسمسيلت، برعاية وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد الملك تاشريفت، وتحت إشراف والي الولاية فتحي بوزايد، فعاليات الطبعة الثالثة للملتقى الوطني حول معركة باب البكوش التاريخية تحت شعار: “الثورة في الونشريس.. إشكاليات وآفاق الكتابة التاريخية 1954-1962”. وحسب المعطيات المقدمة من قبل الجهات المعنية، فإن الملتقى يتضمن سلسلة من المداخلات العلمية يقدمها أساتذة جامعيون وباحثون مختصون، إلى جانب شهادات حية لمجاهدين عايشوا الحدث، حيث سيتم التطرق إلى مختلف المصادر والوثائق التاريخية المرتبطة بمنطقة الونشريس، مع محاولة توثيق الرصيد النضالي المحلي وإبرازه ضمن السياق العام للثورة التحريرية الجزائرية. ويأتي تنظيم هذا الموعد الأكاديمي والتاريخي في إطار الجهود الرامية إلى المحافظة على الذاكرة الوطنية وصونها من الاندثار، فضلا عن ضمان انتقالها إلى الأجيال الصاعدة باعتبارها إرثا وطنيا يعكس حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري من أجل الاستقلال. وتجدر الإشارة إلى أن موقع المعركة اليوم يحتضن مقبرة تضم أكثر من ألف شهيد قدموا من مختلف ولايات الوطن، في صورة تختزل وحدة الصف الوطني وروح التضامن التي ميزت الثورة التحريرية، لتظل “باب البكوش”، بعد مرور ثمانية وستين عاما على أحداثها، شاهدا حيا على عظمة التضحيات التي صنعت استقلال الجزائر، ومنارة مضيئة تستحضر في كل ذكرى قيم الوفاء والبطولة والانتماء الوطني. وبين صفحات التاريخ وذاكرة المكان، تبقى معركة باب البكوش أكثر من مجرد حدث عسكري؛ فهي ملحمة إنسانية ووطنية جسدت إرادة شعب آمن بحقه في الحرية، وواجه واحدة من أقوى الآلات الاستعمارية بإيمان راسخ وعزيمة لا تلين، لتبقى تضحيات شهدائها نبراسا تهتدي به الأجيال في مسيرة حفظ الذاكرة وصون الهوية الوطنية.

يرجى كتابة : تعليقك