أكد الدكتور عز الدين نميري أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية،أن الساحة السياسية الوطنية دخلت مرحلة جديدة بالغة الدقة والتعقيد عقب انقضاء الآجال القانونية المحددة لإيداع ملفات الترشح للانتخابات المحلية المقبلة، ففي الوقت الذي طوت فيه الأحزاب والكتل السياسية صفحة السباق المحموم لاستكمال القوائم، تجد التشكيلات نفسها اليوم في مواجهة ترقب مشدود لما ستفرزه عمليات التدقيق.
وأشار الدكتور عز الدين نميري، إلى أن هذه القوائم باتت اليوم تحت رحمة "غربال" السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي شرعت منذ استقبالها أولى ملفات الترشح في رحلة تمحيص دقيقة للتحقق من مدى مطابقة الملفات للشروط والإجراءات القانونية المعمول بها.
وفي قراءة رقمية تعكس خريطة الترشحات، لفت المحلل السياسي إلى حجم المنافسة المرتقبة في هذا الاستحقاق المحلي، حيث أظهرت المعطيات الرسمية الصادرة عن السلطة المستقلة حراكا كبيرا على مستوى المجالس الشعبية البلدية والولائية. حيث بلغ إجمالي القوائم المودعة للمجالس الشعبية البلدية عبر كامل بلديات الوطن 5631 قائمة، تتوزع بين 5371 قائمة محسوبة على الأحزاب السياسية، و239 قائمة حرة، إضافة إلى 21 قائمة خاضت المعترك تحت لواء تحالفات حزبية، ليصل مجموع المترشحين إلى 141,388 مترشحاً، أما على مستوى المجالس الشعبية الولائية، فقد سجلت السلطة إيداع 434 قائمة عبر مختلف الولايات، شملت 405 قائمة بتغطية حزبية، و24 قائمة حرة، و05 قوائم بصفة تحالفات، وهو ما يضع 21,476 مترشحاً في منافسة مباشرة لنيل ثقة الناخبين.
وفي مقابل هذه الأرقام الضخمة، تحدث الدكتور نميري عن حالة القلق والترقب الشديد التي تخيم على مقرات الأحزاب السياسية، متأثرة بالتبعات القانونية والإجرائية المترتبة على تطبيق المادتين 184 من القانون العضوي للانتخابات، وحسب المحلل السياسي ذاته فإن هاتين المادتين تشكلان هاجسا حقيقيا للمترشحين، بالنظر إلى صلاحيات الفرز والتدقيق الصارمة المنوطة بالسلطة المستقلة، والتي تستهدف أساسا أخلقة الحياة السياسية ودرء الشبهات عن المجالس المنتخبة.
كما يكمن التخوف الأكبر لدى التشكيلات السياسية على حد قوله، في سيناريو إسقاط بعض الأسماء والكوادر بعد دراسة الملفات، وهو ما قد يضع قيادات الأحزاب أمام حائط مسدود وصعوبات معقدة في تعويض الأسماء المسقطة في آجال زمنية قياسية، مما يهدد تماسك القوائم واستقرارها الإجمالي.
وعلى الرغم من حالة الحذر والانتظار، يرى أستاذ العلوم السياسية أن خروج الحصيلة النهائية لعملية التدقيق والتمحيص سيمثل المحطة الفاصلة، حيث سيسمح الإعلان عن القوائم المعتمدة رسمياً للأحزاب السياسية بـ "التقاط أنفاسها"، والانتقال المباشر نحو ضبط استراتيجياتها وبرامجها الانتخابية، حيث تتأهب الساحة السياسية لدخول حملة انتخابية يُتوقع أن تكون حامية الوطيس ومعقدة، نظراً للطبيعة الخاصة للانتخابات المحلية التي تتطلب احتكاكا مباشرا وتواصلا ميدانياً مكثفاً، كما سيظل رهان الأحزاب القادم من وجهة نظر نميري مرهوناً بمدى قدرت التشكيلات السياسية على تجاوز التحديات التنظيمية واللوجستية، وتعبئة الشارع الميداني لإنجاح هذا الاستحقاق السياسي الهام.

أكتب تعليقك