الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي : غارا جبيلات تحول استراتيجي في بنية النموذج الاقتصادي الوطني

الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي : غارا جبيلات تحول استراتيجي في بنية النموذج الاقتصادي الوطني
تحاليل الجمهورية
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي أن إطلاق عملية استغلال منجم غارا جبيلات لا يعد مجرد قرار استثماري في قطاع المناجم، بل هو تحول استراتيجي في بنية النموذج الاقتصادي الجزائري ينقل البلاد من منطق اقتصاد يعتمد أساساً على الريع الطاقوي إلى منطق تنويع القاعدة الإنتاجية السيادية. فمن الناحية الاقتصادية يرى تيغرسي أن المشروع يمثل انتقالا من استغلال الموارد الأحادية المتمثلة في المحروقات إلى توظيف مورد منجمي ضخم ذي أفق زمني طويل، ما يمنح الاقتصاد الوطني استقرارا في مصادر الثروة ويقلل من هشاشته أمام تقلبات أسواق النفط والغاز . وتطرق الخبير الاقتصادي إلى البعد الهيكلي لغارا جبيلات باعتباره ليس مشروع استخراج فقط بل مشروع لقاعدة صناعية كونه يخلق دائما طلبا على نقل الطاقة ،الخدمات الصناعية ،الى جانب أنه يغذي صناعة الحديد والصلب محليا ويشكل نواة سلاسل قيمة صناعية بمعنى أنه يغير هيكل الإنتاج الوطني عبر إدخال قطاع ثقيل قادر على جر قطاعات أخرى. إن عملية إطلاق المشروع يشير محدثنا أنها تندرج ضمن ما يعرف اقتصاديا بنظرية الدفعة الكبرى، حيث تقوم الدولة باستثمار ضخم ومركز في قطاع استراتيجي، بهدف كسر الحلقة المفرغة لضعف التصنيع وخلق كتلة حرجة من النشاط الاقتصادي إضافة إلى تحفيز الاستثمار الخاص حوله أي أن المنجم والسكة الحديدية إلى جانب البنية التحتية المصاحبة للمشروع ليست عمليات منفصلة بل منظومة واحدة هدفها خلق ديناميكية اقتصادية جديدة. وأبرز الخبير الاقتصادي من خلال قراءته للحدث الهام الفرق ما بين القراءة المحاسبية والقراءة الاقتصادية مشيرا أن من يحلل المشروع بمنطق الربح المحاسبي قد يركز على عدة نقاط تتعلق بحجم الاتفاق ،فترة استرداد طويلة ،تكاليف البنية التحتية لكن القراءة الاقتصادية الأشمل لغارا جبيلات تبرز أن المشروع يولد إحلالا للواردات المعدنية وتقليصا لفاتورة الاستيراد إلى جانب الإيرادات الضريبية المستقبلية من الصناعات المرتبطة فضلا عن توفير مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة ،علاوة على تعزيز الأمن الاقتصادي وتنمية الأقاليم الجديدة، وكل هذا يدخل بحسب تيغرسي ضمن العائد الاقتصادي الكلي الذي يتجاوز الحسابات المالية الضيقة. ولم يفوت الخبير الاقتصادي الفرصة، ليعرج على البعد السيادي للمشروع، قائلا إن امتلاك واستغلال احتياطي الحديد بهذا المنجم يعزز دعم القرار الصناعي الوطني ،كما أنه يقلل من التبعية لسلاسل التوريد الخارجية بالإضافة إلى توفيره لمادة استراتيجية لقطاعات البنية التحتية والصناعة ،ناهيك عن دعم القدرة التفاوضية للبلاد اقتصاديا باعتبار أن السيادة ليست شعارا سياسيا بل مكون من مكونات القوة الاقتصادية للدولة. كما ذكر ذات المتحدث ذاته الأثر الإقليمي للمشروع الذي سيعيد إدماج الجنوب في الدورة الاقتصادية الوطنية عبر خلق محور تنموي جديد ،وظهور مراكز عمرانية وخدماتية بالإضافة إلى توزيع أفضل للنشاط الاقتصادي جغرافيا ما من شأنه أن يقلص الفوارق الجهوية ويعزز الاستقرار الاجتماعي. في الأخير ختم تيغرسي حديثه بالقول أن إطلاق مشروع غارا جبيلات يمثل قراراً استراتيجياً لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وليس مجرد استغلال منجم نظرا لقيمته الحقيقية التي تظهر في تحويل مورد طبيعي معطل إلى رافعة صناعية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية الى جانب تعزيز السيادة الاقتصادية ،و إرساء أسس تنمية طويلة المدى، لذلك فإن تقييمه الصحيح يجب أن يتم بمنطق الاقتصاد الكلي و الاستراتيجي لا بمنطق المحاسبة الآنية.

يرجى كتابة : تعليقك