تُعدّ الحملة الانتخابية مرحلة محورية في المسار الديمقراطي، إذ تمثل الإطار القانوني الذي يُمكّن المترشحين من عرض برامجهم السياسية والتواصل مع الهيئة الناخبة في ظل قواعد تكفل النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص.
ولأجل ضمان سلامة هذه المرحلة، أقرّ المشرّع الجزائري من خلال القانون العضوي رقم 26-05 المتعلق بنظام الانتخابات جملة من الضمانات القانونية الرامية إلى حماية المترشح من مختلف أشكال التأثير غير المشروع أو المنافسة غير المتكافئة، بما يكرّس مبدأ المساواة بين جميع المتنافسين على الاستحقاقات الانتخابية.
أولاً: حماية المترشح من الإكراه على الانسحاب
حرص المشرّع على صون حرية الترشح باعتبارها أحد المظاهر الأساسية للحقوق السياسية، لذلك نصت المادة 181 من القانون العضوي رقم 26-05 على حظر كل أشكال الضغط أو الإكراه أو التهديد أو التأثير غير المشروع التي قد تُمارس على المترشح بقصد دفعه إلى سحب ترشحه أو التخلي عنه.
ولا يقتصر هذا الحظر على مجرد تقرير مبدأ قانوني، بل دعّمه المشرّع بجزاءات ردعية تضمن فعاليته، حيث أحالت المادة المذكورة إلى العقوبات المنصوص عليها في المادة 278 من القانون ذاته، الأمر الذي يعكس إرادة المشرّع في حماية الإرادة الحرة للمترشح وتجنيب العملية الانتخابية مختلف صور التلاعب والتأثير غير المشروع.
ثانياً: تكريس مبدأ المساواة بين المترشحين أثناء الحملة الانتخابية
1- المساواة في الاستفادة من الوسائل المخصصة للحملة
يُعدّ مبدأ المساواة من المبادئ الدستورية الأساسية التي تحكم العملية الانتخابية، ومن ثمّ أسند القانون العضوي للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مهمة السهر على التوزيع العادل والمنصف للفضاءات والوسائل المخصصة للحملة الانتخابية، بما في ذلك أماكن تعليق الملصقات والقاعات المخصّصة للتجمعات واللقاءات الانتخابية.
ويهدف هذا التنظيم إلى تمكين جميع المترشحين من مخاطبة الناخبين في ظروف متكافئة، بعيداً عن أي تمييز أو محاباة قد تؤثر في مبدأ تكافؤ الفرص.
كما أن أي إخلال بهذا الالتزام قد يشكل سبباً جدياً للطعن في الإجراءات الانتخابية والنتائج المترتبة عنها.
2- حظر استغلال الوسائل والإمكانيات العمومية
انطلاقاً من مبدأ حياد الإدارة وضرورة الفصل بين المرفق العام والمنافسة السياسية، يُمنع استعمال الوسائل والإمكانات العمومية لفائدة مترشح أو قائمة انتخابية دون غيرها.
ويشمل هذا الحظر مختلف الموارد التابعة للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، بما في ذلك المركبات الإدارية والمقرات الرسمية والموظفون العموميون أثناء ممارسة مهامهم الوظيفية، ويُعدّ هذا المنع ضمانة جوهرية لحماية المترشحين من تأثير النفوذ الإداري أو المالي الذي قد يخلّ بمبدأ المساواة ويؤثر في إرادة الناخبين.
ثالثاً: الحماية القانونية للتمويل الانتخابي
1- الأمين المالي كآلية للشفافية والرقابة
أولى المشرّع أهمية بالغة لمسألة تمويل الحملات الانتخابية، لما لها من تأثير مباشر في نزاهة العملية الانتخابية، ولذلك ألزم بموجب المادة 97 من القانون العضوي رقم 26-05 كل مترشح أو قائمة مترشحين بتعيين أمين مالي يتولى إدارة الموارد والنفقات الخاصة بالحملة الانتخابية.
ويمثل الأمين المالي آلية قانونية للرقابة والشفافية أكثر من كونه مجرد إجراء تنظيمي، إذ يساهم في توثيق العمليات المالية وإثبات مشروعيتها، كما يوفّر حماية للمترشح من الاتهامات المتعلقة بتلقي تمويلات غير قانونية أو إساءة التصرف في الأموال المخصصة للحملة.
2- تنظيم مصير الفائض المالي للحملة
تجنباً لأي شبهة تتعلق بالاستفادة الشخصية من أموال الحملة الانتخابية، نصت المادة 120 من القانون العضوي رقم 26-05 على تحويل الفائض المالي المتبقي بعد انتهاء الحملة إلى الخزينة العمومية وفق الشروط والإجراءات المحددة قانوناً.
ويكرّس هذا الحكم مبدأ الشفافية في تسيير الموارد المالية للحملات الانتخابية، كما يحدّ من النزاعات والطعون التي قد تثار بشأن التصرف في الأموال المتبقية بعد انتهاء العملية الانتخابية.
رابعاً: حماية المترشح من التأثيرات غير المشروعة على العملية الانتخابية
إن تحديد المدة القانونية للحملة الانتخابية لا يهدف فقط إلى تنظيم النشاط الانتخابي، بل يشكل كذلك ضمانة لحماية جميع المترشحين من أي أفضلية غير مشروعة قد يستفيد منها بعض المنافسين.
وفي هذا الإطار، يحدد المرسوم الرئاسي رقم 26-145 مختلف الآجال المرتبطة بالعملية الانتخابية، بما في ذلك مراجعة القوائم الانتخابية والفترة الرسمية للحملة وتاريخ الاقتراعن، ويترتب على مخالفة هذه الآجال تطبيق العقوبات القانونية المقررة، حفاظاً على مبدأ المساواة وضماناً لتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
خامساً: الحماية من مخالفة شروط تشكيل القوائم الانتخابية
أقرّ المشرّع مجموعة من الشروط الموضوعية الواجب توفرها في القوائم الانتخابية، وذلك تكريساً لمبادئ التمثيل المتوازن وتعزيز مشاركة مختلف فئات المجتمع في الحياة السياسية.
وفي هذا السياق، ألزمت المادتان 176 و191 من القانون العضوي رقم 26-05 القوائم الانتخابية باحترام نسب محددة تتعلق بتمثيل النساء والشباب وحاملي الشهادات الجامعية، تحت طائلة رفض القائمة وعدم قبولها قانوناً.
ويشكّل هذا التنظيم ضمانة للمترشح الملتزم بأحكام القانون، إذ يتيح له الاعتراض على القوائم المخالفة والمطالبة بإقصائها متى ثبت عدم استيفائها للشروط القانونية المقررة.
يتضح من خلال استقراء أحكام القانون العضوي رقم 26-05 أن المشرّع الجزائري لم يكتفِ بتنظيم الحملة الانتخابية من الناحية الإجرائية، وإنما أرسى منظومة متكاملة من الضمانات القانونية الرامية إلى حماية المترشح وتعزيز نزاهة المنافسة الانتخابية،غير أن فعالية هذه الضمانات تبقى رهينة بمدى وعي المترشح بحقوقه القانونية وقدرته على توثيق التجاوزات والإبلاغ عنها واستعمال الآليات القانونية المتاحة لحماية مركزه القانوني أثناء مختلف مراحل العملية الانتخابية.
أكتب تعليقك