الجمهورية ترافق أنصار الخضر في ليلة لم تنم فيها وهران : من الخيبة إلى الفوز و الأمل لتحقيق التأهل

الجمهورية ترافق أنصار الخضر في ليلة لم تنم فيها وهران :   من الخيبة  إلى الفوز و الأمل لتحقيق التأهل
كأس العالم لكرة القدم 2026
لم يكن أحد في وهران قادرًا على ترقب ما ستعيشه المدينة في الساعات الأولى من صباح اليوم ، فبعد الخسارة التي تلقاها المنتخب الوطني أمام الأرجنتين في الجولة الافتتاحية من مونديال أمريكا، خيمت أجواء من الإحباط على الشارع الرياضي، وبدأت الشكوك تتسلل إلى قلوب الأنصار بشأن قدرة الخضر على العودة سريعًا إلى سكة الانتصارات، وزاد توقيت المواجهة الثانية أمام الأردن من حجم تلك التساؤلات، فالمباراة كانت مبرمجة على الساعة الرابعة صباحًا، وهو توقيت غير مألوف حتى بالنسبة لمدينة اعتادت السهر وعشق كرة القدم وهو ما وقفت عليه جريدة الجمهورية من خلال هذا الاستطلاع الذي خصص لمرافقة اجواء مباراة المنتخب الوطني أمام نظيره الاردني .وفي البداية بدت الأمور وكأنها تؤكد تلك المخاوف، فالحركة داخل المقاهي كانت أقل من المعتاد، والنقاشات التي دارت بين الأنصار تمحورت أكثر حول ما حدث أمام الأرجنتين من حديثها عن مباراة الأردن، البعض كان لا يزال تحت تأثير الخيبة، وآخرون كانوا يحاولون البحث عن أسباب التعثر الأول، فيما اكتفى آخرون بالتعبير عن أملهم في رؤية وجه مختلف للمنتخب الوطني...ومع تقدم ساعات الليل بقي المشهد هادئًا نسبيًا، حتى مع متابعة مواجهة السنغال والنرويج لم تظهر تلك الحركية الكبيرة التي ترافق عادة مباريات الخضر، وكأن المدينة لم تحسم بعد قرارها بين النوم ومواصلة السهر، وعندما اقتربت الساعة من الثانية صباحًا اعتقد كثيرون أن الموعد الكروي لن ينجح في استقطاب الأعداد المنتظرة، وأن المقاهي ستكتفي بروادها المعتادين، لكن ما حدث بعد ذلك كان كافيًا لقلب كل التوقعات رأسًا على عقب. ● الثالثة صباحًا... حين تحولت وهران إلى مدينة لا تنام فمع حلول الثالثة صباحًا بدأت وهران تستيقظ من جديد، لا على وقع منبهات الصباح، بل على وقع موعد كروي فرض نفسه على الجميع... خلال دقائق قليلة فقط تغيرت الصورة بالكامل، السيارات بدأت تتدفق من مختلف الأحياء، والدراجات النارية عادت إلى الشوارع، ومجموعات من الشباب راحت تتجه نحو المقاهي بخطوات سريعة وكأن المباراة ستنطلق بعد لحظات، شيئًا فشيئًا بدأت الطاولات تمتلئ والكراسي الشاغرة اختفت بسرعة، ووجد أصحاب المقاهي أنفسهم في سباق مع الزمن لترتيب الفضاءات واستيعاب الأعداد المتزايدة، بعض المقاهي اضطرت إلى إضافة طاولات جديدة على الأرصفة، فيما اكتفى آخرون بالوقوف لمتابعة اللقاء بعد أن نفدت أماكن الجلوس...في تلك اللحظات لم يكن من السهل على أي شخص يمر عبر شوارع المدينة أن يصدق أن الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا، فالحركة كانت توحي بأن الأمر يتعلق بأمسية كروية مبرمجة في قلب السهرة الصيفية، لا بمباراة ستلعب قبل شروق الشمس بقليل، والأضواء كانت مشتعلة في كل مكان، والأصوات تتصاعد من مختلف الجهات، فيما تحولت بعض الشوارع إلى ممرات حقيقية نحو المقاهي التي ازدحمت عن آخرها...وكان المشهد أكثر إثارة مع اقتراب موعد صلاة الفجر، فبعد انتهاء الصلاة وخروج المصلين من المساجد، اختار عدد كبير منهم التوجه مباشرة نحو المقاهي أو الوقوف أمام الشاشات المنصبة في بعض الفضاءات القريبة على غرار الشاشة العملاقة بحديقة سيدي امحمد كما ان الأجواء امتزجت رائحة القهوة الأولى للصباح بأجواء المباراة المنتظرة، واختلطت خطوات المصلين بحركة الأنصار، لتتشكل صورة نادرة تؤكد مرة أخرى المكانة الخاصة التي يحتلها المنتخب الوطني في قلوب الجزائريين...في تلك اللحظات كانت وهران قد تحولت بالفعل إلى مدينة لا تنام، الأرصفة تعج بالحركة، المقاهي ممتلئة، والأحاديث تدور حول التشكيلة الأساسية وحظوظ الخضر في تحقيق أول فوز لهم في البطولة، وكان واضحًا أن الجميع أدرك أهمية المباراة، وأن الخسارة الثانية قد تعقد الحسابات بشكل كبير، لذلك حضر الترقب مبكرًا وحضرت معه الرغبة في رؤية ردة فعل قوية من رفقاء حاج موسى. ● من الصمت إلى الصدمة... الأردن يبعثر حسابات الأنصار ومع اقتراب الساعة الرابعة صباحًا بدأ التوتر يفرض نفسه تدريجيًا على الأجواء، الأحاديث التي ملأت المقاهي طوال الساعة الماضية بدأت تتراجع شيئًا فشيئًا، والنقاشات حول الاختيارات الفنية توقفت، والأنظار كلها اتجهت نحو الشاشات، ثم انطلقت المواجهة... وفجأة عم صمت غريب مختلف عن كل ما سبقه، ذلك النوع من الصمت الذي لا يوجد إلا في المباريات الكبيرة، اختفت الضحكات، وتوقفت الأحاديث الجانبية، ولم يعد يُسمع سوى صوت المعلق المنبعث من عشرات الشاشات المنتشرة عبر العمارات، ومع كل هجمة للخضر كانت تقابل بارتفاع الأصوات، وكل محاولة أردنية كانت تثير شيئًا من القلق، جماهير الخضر تابعت اللقاء وكأنها تعيش كل كرة داخل المستطيل الأخضر، وجوه متجهمة تارة وأعين معلقة بالشاشات تارة اخرى وأنفاس محبوسة في انتظار هدف يريح الأعصاب، لكن ما لم يكن يتمناه أحد حدث بالفعل، الأردن نجح في هز شباك زيدان وفي لحظة واحدة تبدلت الملامح داخل المقاهي، قبل ثوانٍ فقط كانت الطاولات تضج بالحماس، وبعد الهدف خيم سكون ثقيل على أغلب الفضاءات، بعض الأنصار وضعوا أيديهم على رؤوسهم، وآخرون اكتفوا بالنظر نحو الشاشة دون أي تعليق، فيما انطلقت عبارات التذمر والاستياء من مختلف الزوايا، حتى العاملون داخل المقاهي بدوا وكأنهم جزء من المشهد، فالجميع توقف للحظات في محاولة لاستيعاب ما حدث. كان الهدف الأردني بمثابة صاعقة أعادت إلى الأذهان شبح الهزيمة الأولى، وزادت من حجم المخاوف بشأن مستقبل المنتخب في المنافسة...ومع مرور الدقائق ازداد التوتر أكثر فأكثر، بينما ظل الأنصار ينتظرون رد فعل قويًا يعيد الأمور إلى نصابها. ● استراحة بين الشوطين... شوارع الباهية تتحول إلى استوديو تحليلي ومع نهاية الشوط الأول لم يبق كثيرون في أماكنهم، حيث خرج الأنصار إلى الشوارع والأرصفة، وتحولت الأزقة إلى فضاءات للنقاش والتحليل، ففي كل زاوية كانت هناك مجموعة تتحدث عن المباراة، فهنا من ينتقد أداء الدفاع، وهناك من يطالب بتغييرات هجومية، وفي مكان آخر تجد من يدافع عن خيارات المدرب ويطالب بالصبر، وكان من يمر عبر الشوارع خلال فترة الاستراحة يعتقد أن مباراة أخرى تُلعب خارج الشاشات، الأصوات ارتفعت، والتحليلات تعددت، والآراء اختلفت، لكن الجميع اتفق على نقطة واحدة، وهي أن المنتخب الوطني لا يزال يملك الوقت الكافي للعودة...للحظات تحول كل شخص إلى مدرب ومحلل وخبير فني، فالبعض رسم سيناريوهات العودة، وآخرون تحدثوا عن ضرورة المخاطرة أكثر في الشوط الثاني، فيما ظلت عبارة واحدة تتكرر على ألسنة الجميع... لا يزال هناك شوط كامل، ومع اقتراب موعد استئناف اللعب عاد الجميع إلى أماكنهم، وعاد معهم الأمل في رؤية وجه مختلف للخضر. ● من هدف بن بوعلي إلى هدف غويري... انفجار الفرح في شوارع الباهية انطلق الشوط الثاني وسط ترقب كبير، الدقائق الأولى مرت ببطء شديد، والقلق ظل حاضرًا في الوجوه، كل فرصة تضيع كانت تقابل بحسرة، وكل دقيقة تمر كانت تزيد من الضغط، بدا وكأن الزمن يسير ببطء شديد بالنسبة للأنصار الذين كانوا ينتظرون لحظة تعيد إليهم الأمل، ثم جاءت تلك اللحظة...بن بوعلي أعاد الحياة إلى المدرجات الافتراضية للمقاهي، فبمجرد أن عانقت الكرة شباك النشامى انفجرت موجة هائلة من الفرح، قفزات جماعية، تصفيق مدوٍ، صيحات فرح اخترقت سكون الصباح، وأحضان متبادلة بين أشخاص قد لا يعرف بعضهم بعضًا... للحظات بدا وكأن المدينة بأكملها تنفست بعد اختناق طويل، لكن الفرحة الحقيقية كانت لا تزال تنتظر، الخضر واصلوا الضغط، والجماهير واصلت التشجيع، قبل أن يأتي هدف غويري الذي قلب الموازين وأشعل المدينة بأكملها، وبمجرد دخول الكرة المرمى لم تعد المقاهي قادرة على احتواء مشاعر الأنصار، خرج العشرات إلى الشوارع بشكل عفوي وفرحة هستيرية، وتعالت الصرخات من كل جهة، فيما بدأت أبواق السيارات تدوي قبل نهاية المباراة نفسها، والمشهد الأكثر طرافة كان ذلك السيل البشري الذي خرج من العمارات المجاورة، بعضهم كان يتابع اللقاء من الشرفة ، وآخرون تركوا منازلهم بمجرد سماع صرخات الفرح وخلال لحظات فقط امتلأت الشوارع بأشخاص لم يكونوا موجودين قبل ثوانٍ، وكأن الهدف استدعاهم جميعًا إلى قلب الحدث. ● دقائق عصيبة... والكل اصبح مدربا للمنتخب رغم التقدم في النتيجة لم تتراجع حدة التوتر، الدقائق الأخيرة بدت طويلة للغاية. التشجيع استمر دون توقف، والتعليمات كانت تصدر من كل طاولة وكأن اللاعبين يسمعونها مباشرة... صراخ عند كل فرصة تضيع، غضب عند كل تمريرة خاطئة، وفرحة عند كل تدخل ناجح، وكان التفاعل يبلغ ذروته كلما وصلت الكرة إلى مازة أو حاج موسى، الأنظار كانت تتعلق بكل لمسة، والآمال كانت معلقة بأي هجمة قد تحسم الأمور نهائيًا، في تلك الدقائق لم يعد في وهران مجرد أنصار يتابعون مباراة، بل آلاف المدربين الذين كانوا يعيشون كل ثانية وكأنهم على خط التماس... ● صباح مختلف... وهران تؤجل النوم وتحتفل بالخضر وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية انفجرت المدينة بالكامل، تحولت الساعات الأولى من صباح اليوم إلى كرنفال حقيقي، مواكب سيارات جابت الشوارع وسط المدينة صوب مفر اذاعة وهران الجهوية، أبواق ارتفعت في مختلف الأحياء، الأعلام الوطنية خرجت من النوافذ والشرفات، احتفالًا بفوز شاق انتزعه الخضر بعد معاناة كبيرة، ومع أول خيوط الشمس لم تكن وهران قد أنهت ليلتها بعد، المقاهي بقيت مكتظة، والأحاديث استمرت حول سيناريو العودة التاريخية، فيما راح كثيرون يستعيدون تفاصيل المباراة لحظة بلحظة وكأنهم يرفضون مغادرة تلك الأجواء، كان صباحًا مختلفًا لم تستيقظ فيه وهران على حركة المرور المعتادة، بل استيقظت على انتصار صنعه الخضر بعد مباراة حبست الأنفاس حتى ثوانيها الأخيرة.. وفي النهاية لم يكن الفائز الوحيد هو المنتخب الوطني، بل كانت وهران أيضًا، المدينة التي أثبتت مرة أخرى أن عشقها للخضر لا يعترف لا بتوقيت متأخر ولا بساعات نوم ضائعة، وأن مباراة تبدأ عند الرابعة صباحًا قادرة على تحويل ليلها إلى نهار، وجعل شوارعها تنبض بالحياة حتى بعد شروق الشمس... في انتظار أن تكون مباراة النمسا هي الأخرى موعد لعشاق الخضر بالباهية اكثر تشويقا نظرا لأهميته.

يرجى كتابة : تعليقك