الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس.. . ثورة رقمية مستقبل الأقتصاد والصحة بالجزائر

الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس.. . ثورة رقمية  مستقبل  الأقتصاد والصحة بالجزائر
روبورتاج
يعرف العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، يقودها الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس، اللذان أصبحا يشكلان العمود الفقري للتحول الرقمي في مختلف القطاعات الحيوية. ولم يعد الحديث عن هذه التقنيات يقتصر على المختبرات ومراكز البحث، بل أصبحت واقعًا يلامس الحياة اليومية للمواطن، بدءا من الخدمات الصحية والتعليمية، وصولًا إلى الصناعة والتجارة والإدارة العمومية. وفي الجزائر، تسير الدولة بخطوات متسارعة نحو بناء اقتصاد رقمي حديث، من خلال اعتماد الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2024-2030) وإطلاق خدمات الجيل الخامس، في إطار رؤية تهدف إلى تحديث المرافق العمومية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الابتكار، وخلق اقتصاد قائم على المعرفة. ويعد قطاع الصحة من أكثر القطاعات استفادة من هذه الثورة الرقمية، حيث بدأت المؤسسات الاستشفائية والجامعات الجزائرية في إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج والبحث العلمي، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام تطوير المنظومة الصحية. تعزيز كفاءة التشخيص تؤكد البروفسور مانوني شفيقة، رئيسة مصلحة الجهاز الهضمي والكبد بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية أول نوفمبر 1954 بوهران، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية مستقبلية، بل أصبح أداة يعتمد عليها الطبيب في مختلف مراحل التكفل بالمريض. وتوضح أن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تحليل آلاف الصور الطبية والبيانات السريرية في وقت قصير جدًا، مع تقديم نتائج دقيقة تساعد الطبيب على اتخاذ القرار المناسب، خاصة في الحالات التي تتطلب تشخيصًا سريعًا ودقيقًا. وتضيف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أحدثت نقلة نوعية في الكشف المبكر عن العديد من الأمراض، لاسيما السرطان وأمراض القلب والجهاز التنفسي، حيث تستطيع الخوارزميات تحليل صور الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي واكتشاف التغيرات الدقيقة التي قد يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية. ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التشخيص، بل يمتد إلى تصميم خطط علاجية مخصصة لكل مريض اعتمادًا على بياناته الصحية والجينية، وهو ما يعرف بالطب الشخصي، الذي يهدف إلى تقديم علاج يناسب خصوصية كل حالة، بما يرفع من نسب نجاح العلاج ويقلل من المضاعفات. كما أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة في البحث العلمي، إذ يساعد الباحثين على تحليل ملايين البيانات الطبية في وقت وجيز، الأمر الذي يسرع عمليات تطوير الأدوية الجديدة واكتشاف العلاجات الحديثة. وترى البروفسور مانوني أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحقق كامل إمكاناته دون وجود بنية تحتية رقمية قوية، وهو ما توفره شبكات الجيل الخامس، التي تتميز بسرعة نقل البيانات وزمن استجابة منخفض جدًا. وتسمح هذه الشبكات بنقل الصور الطبية عالية الدقة والملفات الصحية الضخمة في الزمن الحقيقي، بما يسهل التعاون بين المستشفيات والأطباء داخل الجزائر وخارجها. كما ساهمت في تطوير خدمات التطبيب عن بعد، حيث أصبح بإمكان المرضى، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة وكبار السن وسكان المناطق النائية، الاستفادة من استشارات طبية دون الحاجة إلى التنقل، مع إمكانية مراقبة حالتهم الصحية باستمرار عبر أجهزة ذكية متصلة بالإنترنت. وتفتح هذه التكنولوجيا المجال كذلك أمام تطبيقات مستقبلية متقدمة، مثل الجراحة عن بعد باستخدام الروبوتات الطبية، حيث يمكن للطبيب إجراء عمليات دقيقة من مكان بعيد، مستفيدًا من سرعة الاتصال واستقرار نقل البيانات. التكنولوجيا تعيد الأمل للمرضى وفي تخصص جراحة الوجه والفكين، يؤكد البروفيسور حيرش كريم، رئيس مصلحة جراحة الوجه والفكين والترميم بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية أول نوفمبر 1954 بوهران، أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الممارسة الطبية اليومية داخل المصلحة. ويشير إلى أن أطباء المصلحة يعتمدون اليوم على الأنظمة الذكية لتحليل الصور الطبية ثلاثية الأبعاد والفحوصات الإشعاعية، ما يساعد على تشخيص الإصابات المعقدة الناتجة عن حوادث المرور، ووضع خطط علاجية دقيقة لإعادة ترميم عظام الوجه والفكين والأنسجة المتضررة. وأضاف أن هذه التقنيات تتيح محاكاة نتائج العمليات قبل إجرائها، وهو ما يمنح الجراح رؤية أوضح لمختلف الخيارات العلاجية، ويساعده على اختيار الحل الأنسب لكل مريض، مع تقليل نسبة الأخطاء وتحسين النتائج الجراحية. كما بدأت بعض التدخلات الدقيقة تستفيد من الروبوتات الجراحية والأنظمة الذكية التي توفر دقة متناهية في تنفيذ العمليات، خاصة في جراحات إعادة بناء الوجه وزراعة الأسنان المعقدة. ولا ينتهي دور الذكاء الاصطناعي عند غرفة العمليات، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد الجراحة، حيث يساعد في متابعة المرضى والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة، بما يسمح بالتدخل المبكر وتحسين فرص الشفاء. ويؤكد البروفيسور حيرش أن هذه التقنيات، مهما بلغت من التطور، لا يمكن أن تعوض خبرة الطبيب، وإنما تشكل وسيلة مساعدة تعزز جودة العمل الطبي ومن جانبه أكد السيد باررابح أن المؤسسة الأستشفائية الجلامعية أول نوفمبر ستشهد قريباً اقتناء روبوت جراحي متطور، في خطوة نوعية تهدف إلى تعزيز استخدام التقنيات الطبية الحديثة والارتقاء بمستوى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى. وأوضح السيد باررابح أن هذا التجهيز التكنولوجي المتطور سيكون متاحاً لفائدة مختلف المصالح الطبية التي تعتمد على التدخلات الجراحية الدقيقة، بما يسمح للأطقم الطبية بالاستفادة من إمكانياته المتقدمة في تحسين الدقة أثناء العمليات، ورفع مستوى التحكم، وتقليل المخاطر المرتبطة ببعض التدخلات المعقدة. وأشار إلى أن اقتناء هذا الروبوت الجراحي يندرج في إطار استراتيجية المؤسسة لمواكبة التطور العالمي في المجال الصحي، والانتقال نحو جراحة أكثر تطوراً تعتمد على التكنولوجيا والابتكار، مؤكداً أن الهدف الأساسي هو تحسين جودة التكفل بالمرضى وتوفير أحدث الوسائل للأطقم الطبية. وأضاف أن هذه التقنية ستشكل إضافة مهمة لمختلف التخصصات الجراحية الدقيقة، من خلال تمكين الأطباء من إجراء تدخلات أكثر أماناً وفعالية، فضلاً عن المساهمة في تحسين النتائج العلاجية وتقليص فترة التعافي. كما أكد السيد باررابح أن إدخال هذه التكنولوجيا يتطلب مرافقة عملية التكوين والتأهيل للكوادر الطبية وشبه الطبية، لضمان الاستغلال الأمثل لهذا التجهيز والاستفادة من جميع إمكانياته، بما يخدم مصلحة المرضى ويدعم مكانة المؤسسة كقطب صحي يعتمد على الابتكار والتقنيات الحديثة. ويأتي هذا المشروع ليؤكد توجه المؤسسة نحو تعزيز الرقمنة وتبني الحلول التكنولوجية المتقدمة، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها قطاع الصحة عالمياً، ويجعل من التكنولوجيا عاملاً أساسياً في تحسين جودة الرعاية الصحية الجامعة... قاطرة الابتكار وتسعى الجزائر إلى استغلال الإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا، وتأهيل الموارد البشرية. ومن المنتظر أن يسهم هذا التوجه في تحسين الخدمات العمومية، ورفع الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وخلق مؤسسات ناشئة قادرة على المنافسة، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني وحوكمة البيانات. ويؤكد البروفيسور نصر الدين صياد، مدير مركز تطوير المقاولاتية بجامعة العلوم والتكنولوجيا بوهران، أن الجامعة أصبحت فضاءً لإنتاج الحلول الرقمية، وليس فقط لتكوين الطلبة. ويكشف أن عدد المشاريع المحتضنة بحاضنة الأعمال الجامعية ارتفع من 340 مشروعًا سنة 2025 إلى نحو 800 مشروع سنة 2026، فيما بلغ عدد حاملي المشاريع حوالي 450 حامل مشروع. وأوضح أن أكثر من ثلث هذه المشاريع يعتمد على الذكاء الاصطناعي والرقمنة، بينما تتوزع المشاريع الأخرى على التكنولوجيا الحيوية والصناعة والفلاحة الذكية. كما تستعد الجامعة لإطلاق عشر مؤسسات ناشئة وفق نموذج المؤسسات الفرعية (Spin-offs)، لتحويل نتائج البحث العلمي إلى مشاريع اقتصادية قادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل. من جانبه، يؤكد البروفيسور رضوان تلمساني، نائب مدير جامعة العلوم والتكنولوجيا بوهران، أن الجامعة أصبحت شريكًا أساسيًا في بناء الاقتصاد الرقمي، من خلال تطوير مشاريع تعتمد على الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والتعليم والصناعة. وأوضح أن الباحثين يعملون على تطوير منصات للتطبيب عن بعد، وأنظمة ذكية لتحليل صور الأشعة، إضافة إلى أبحاث في الحوسبة الكمية والتعلم العميق، بما يسمح باستغلال الإمكانات التي توفرها شبكات الجيل الخامس. كما تشمل المشاريع تطبيقات في الرياضة والفلاحة الذكية وإنترنت الأشياء، في إطار رؤية تجعل من الجامعة مصدرًا للابتكار وحاضنة للمؤسسات الناشئة. ورغم التطور الكبير الذي يشهده الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس، يؤكد المختصون أن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطًا بتكوين الكفاءات البشرية، وتعزيز البحث العلمي، ووضع إطار قانوني وأخلاقي يحمي البيانات ويضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا. وتبدو الجزائر اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى اقتصاد المعرفة، مستندة إلى طاقات جامعية وكفاءات طبية وبحثية قادرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة مضافة تخدم المواطن وتدعم التنمية الوطنية. وبين الابتكار والبحث العلمي، يتشكل مستقبل جديد تكون فيه الرقمنة رافعة أساسية لمنظومة صحية أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر استعدادًا لمتطلبات العصر الرقمي.

يرجى كتابة : تعليقك