يعد ربط منجم غارا جبيلات بخط السكك الحديدية خطوة اقتصادية جريئة من شأنها تمكين الجزائر من تعزيز مكانتها الصناعية و التقليل من اعتمادها على المحروقات وذلك بالمراهنة على المشروعالمنجمي الذي يعتبر بمثابة العملاق الصاعد في إنتاج الحديد وإمكانية توفيره من فرص اقتصادية و إستراتيجية للجزائر.
وفي هذا السياق، يجمع الخبراء بأن هذا المشروع سيوفر آفاقا اقتصادية هامة، حيث سيحول الجنوب الغربي من منطقة تجارية إلى موقع صناعيبامتياز، فضلا عن إنعاش سوق الشغل في المنطقة، دون نسيان السيادة الاقتصادية التي سيوفرها للجزائر ودخولها بقوة إلى الأسواق العالمية.
و لابد من الإشارة في هذا الصدد،إلىأن الإرادة السياسية القوية للدولة الجزائرية، قد سمحت بإنجاز العديد من المشاريع العملاقة في السنوات الأخيرة، وهذا ما يعطي دفعا اقتصاديا واستراتيجيا كبيرين للبلاد، خاصة وأن هذه المشاريع جسدت بسيادة وطنية وسواعد جزائرية رفعت التحدي واكتسبت الخبرة والتكنولوجيا، حيث وضعت الحكومة منذ 2020 مخطط عمل خاص بقطاع المناجم، تضمن إطلاق ثلاثة مشاريع إستراتيجية كبرى، على رأسها مشروع غار جبيلات للحديد، ومشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة بتبسة، ومشروع الزنك والرصاص بتالة حمزة بوادي ميزاب ببجاية، إلى جانب مراجعة قانون المناجم لجعله أداة لاستقطاب الاستثمار وتعزيز الشراكات التكنولوجية.
ولا يقتصر مشروع غاراجبيلات على الاستخراج فقط، بل يشمل مراحل متكاملة للتثمين، تبدأ بالمعالجة الأولية بالموقع بطاقة 8 ملايين طن سنويًا، ثم تحويل الحديد إلى مركزات وكريات في مركب توميات بطاقة 4 ملايين طن، قبل توجيه الإنتاج لتلبية حاجيات الصناعات الوطنية والتصدير عبر ميناء وهران، على أن يتمثل الهدف الاستراتيجي في أفق 2040 في بلوغ إنتاج 50 مليون طن سنويًا من خام الحديد، وتحويل 25 مليون طن منها إلى مواد مخصصة لصناعة الحديد والصلب، موزعة بين مركبات بشار والنعامة، ما يعزز تموقع الجزائر في الأسواق العالمية ويمنحها نقاط قوة تفاوضية في الشراكات الاقتصادية.
فضلا عن ذلك، فإنانعكاسات المشروع لا تقتصر على الجانب الصناعي، بل تمتد إلى إنشاء ديناميكية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياحية في الجنوب الغربي، وربط هذه المناطق بالشمال والموانئ، فضلًا عن فتح آفاق لربط الجزائر بالعمق الإفريقي وتعزيز دورها الإقليمي في المبادلات التجارية.
وبالتأكيد أن خيار التحويل المحلي للموارد المنجمية يمثل حجر الأساس في نجاح الرؤية الجديدة، باعتباره يضمن بقاء القيمة المضافة داخل الوطن ويضع حدًا لمرحلة تصدير المواد الخام واستيرادها مصنعة.
من جهتهم، يرى الخبراء أن "مشروع القرن" غاراجبيلات يفتح آفاقا اقتصادية و اجتماعية كبيرة لمنطقة الجنوب الغربي الجزائري و للوطن ككل، فضلا عن كونه مشروعا ضخما سيسهم في تعزيز مصادر الدخل و دفع الصناعة التحويلية المنجمية و تعزيز مبدأ السيادة الاقتصادية و تنويع موارد البلاد خارج المحروقات.
كما أن الأهمية الاقتصادية لمشروع غاراجبيلات تكمن أيضا في التنمية الاجتماعية والحركية التنموية التي سيحدثها من خلال استحداث حوالي 5 آلاف فرصة شغل مباشرة و20 ألف غير مباشرة، إلى جانب تحفيز الاستثمارات في قطاعات أخرى كالنقل والزراعةو التجارة و حتى البنى التحتية.
ناهيك على أن الخط المنجمي الغربي للسكة الحديدية غاراجبيلات- بشار- تندوف – وهران سيفك العزلة عن كل مناطق الجنوب الغربي للبلاد و يخلق ديناميكية اقتصادية و اجتماعية و تنموية، كما سيعطي فرص أكبر لشباب هذه المناطق للتكوين و التوظيف و اكتساب الخبرات على اعتبار أنه يعد المحرك الأساسي الذي سيحول الصحراء الكبرى إلى قطب لوجستي قاري.
علاوة على أنه يمثل محطة تاريخية في مسار إعادة بعث قطاع المناجم وتحقيق تنويع فعلي للاقتصاد الوطني خارج المحروقات.
ولاشك أن هذا الإنجاز يندرج ضمن رؤية إستراتيجية جديدة اعتمدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، تقوم على تثمين الموارد المنجمية محليًا وربطها بسلاسل القيمة الصناعية، بما يسمح بتحويل الثروات الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، بدل تصديرها خامًا.
والمشروع بحد ذاته، يكرس انتقال قطاع المناجم من قطاع تقليدي إلى قطاع تنافسي داعم للأمن الصناعي الوطني.
كما يشكل منجم غارا جبيلات اليوم رمزا للإنجاز الصناعي الاستراتيجي، حيث لم يعد مجرد مشروع منجمي بل رافد اقتصادي متكامل يعكس رؤية الرئيس عبد المجيد تبون الطموحة في تحويل الثروات الطبيعية الضخمة إلى محرك حقيقي للتنمية و يوفر فرص عمل و يعزز موقع الجزائر كفاعل صناعي محوري على الصعيد الإقليمي و الدولي مع التأكيد على قدرة القيادة الجزائرية على توجيه المشاريع الكبرى نحو تحقيق الاستدامة و التقدم الاقتصادي.
أكتب تعليقك