شكّل مسار الرئيس الأسبق للجزائر، الراحل اليمين زروال، نموذجًا فريدًا في الجمع بين الخلفية العسكرية الصارمة والحضور السياسي الهادئ، حيث ارتبط اسمه بإدارة واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجزائر المعاصر. إذ يُعدّ ابن الأوراس من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية التي قادت الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، حين تولّى رئاسة الدولة في 30 يناير 1994 في سياق مرحلة انتقالية صعبة خلال ذروة ما عُرف بـ«العشرية السوداء»، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية في 16 نوفمبر 1995، ليكون أول رئيس يصل إلى الحكم عبر انتخابات تعددية مثّلت آنذاك خطوة نحو استعادة الشرعية الدستورية.
قد واجه زروال تحديات جسيمة في ظل تلك المرحلة، حيث سعى إلى تحقيق توازن بين المقاربة الأمنية ومحاولات التهدئة السياسية.
وحسب المتتبعين للشأن السياسي في الجزائر، فقد أطلق اليمين زروال خلال فترة حكمه إصلاحات سياسية بارزة، من بينها تعديل دستوري عام 1996، الذي حدّد عدد العهدات الرئاسية بعهدتين، كما أُنشئ بموجبه مجلس الأمة كغرفة ثانية للبرلمان، في محاولة لتعزيز التوازن المؤسسي.
وعلى الصعيد الأمني، أطلق زروال عام 1995 مشروع «قانون الرحمة»، الذي أتاح لعناصر من الجماعات المسلحة تسليم أنفسهم مقابل الاستفادة من إجراءات تخفيفية، وهو ما أسهم في تقليص حدة العنف تدريجيًا، رغم استمرار التوترات الأمنية آنذاك.
ويؤكد المختصون أن الجنرال زروال سعى إلى إنهاء الأزمة الأمنية من خلال هذه المبادرة، التي شكّلت أساسًا لمصالحة وطنية لاحقة.
كما يُوصف بأنه شخصية بسيطة ومنضبطة، أسهمت رزانته في إدارة واحدة من أخطر المراحل في التاريخ الجزائري المعاصر.
وعُرف زروال بشخصيته المنضبطة والبسيطة وبمواقفه الحازمة في القضايا السيادية؛ إذ رفض لقاء جاك شيراك في ظل ما اعتبره شروطًا غير مناسبة، كما رفض الخضوع لضغوط صندوق النقد الدولي، في مسعى للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وحرص خلال ولايته على فتح قنوات الحوار مع المعارضة والمجموعات المسلحة، وسعى إلى إصلاح المؤسسات الدستورية والتشريعية، في محاولة لتحقيق استقرار نسبي وسط أجواء العنف والاضطرابات.
وبناءً على ذلك، فإن البلاد، بوداعها للرئيس السادس للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، تكون قد فقدت أحد رجالات الدولة الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الوطن، وهو من الجيل الذي ناضل من أجل البلاد ورسّخ ثقافة سيادية تعتبر أن السيادة الوطنية خط أحمر.
وقد كان من الرجال الأوفياء الذين جمعوا بين الدورين العسكري والسياسي، فامتلك عقلية المجاهد بحكم احتكاكه بالمجاهدين والشهداء، وتمرسه على العديد من السلوكيات والأفكار والمناهج التي أثّرت في تكوينه، الأمر الذي جعل منطلقاته وطنية خالصة. ولذلك، كان الراحل زروال، عندما يتحدث عن السيادة الوطنية بصفته رئيسًا للجمهورية، يضع هذا المبدأ في صلب أولوياته، باعتباره قناعة عملية راسخة لا مجرد طرح نظري.
وأشار الخبراء إلى أن قيادة الراحل للبلاد تزامنت مع أزمة حادة تمثلت في ديون خارجية كبيرة، ومرحلة عنف، وعزلة دولية، إضافة إلى أوضاع اجتماعية صعبة، كلها دفعت الرجل إلى التعامل مع هذه التحديات بدقة وحنكة كبيرتين، حيث أدّى مهامه كرئيس بما تقتضيه المسؤولية الوطنية. ويكفيه شرفًا أن كثيرين يُجمعون على أنه كان رجلًا وطنيًا خالصًا، كتب مسارًا حافلًا ومتميزًا، ويُعدّ من أبرز ما أنجبت الجزائر من إطارات مدنية وعسكرية. فقد عايش مرحلة صعبة بكل جوارحه، محاربًا من أجل إنقاذ البلاد من الانهيار، وأسهم بدور كبير في الحفاظ على الوحدة الوطنية والوئام الوطني، وهي مرحلة احتاجت إلى رجل يتمتع بعقل استراتيجي وصبر ورباطة جأش، فكان زروال الرجل المناسب، الذي خاض المعركة بنزاهة وشرف إلى أن اعتزل نهائيًا.
وفي خطوة مفاجئة، أعلن زروال في سبتمبر 1998 تقليص ولايته والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، جرت في أبريل 1999 وأسفرت عن انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا للبلاد.
ومنذ مغادرته السلطة، اختار الابتعاد عن الحياة السياسية، مكتفيًا بظهور محدود في بعض المناسبات الرسمية، إذ فضّل العودة إلى حياة بسيطة في مسقط رأسه بباتنة، متخليًا عن امتيازات رئاسية، في سلوك نادر يعكس صورته كرجل دولة زاهد في السلطة.
ورغم انسحابه من الحياة السياسية، ظل اليمين زروال يحظى بشعبية كبيرة، وأظهر دعمه للحراك الشعبي سنة 2019، معتبرًا أن مطالب الشعب "شرّفت الأمة".
وبرحيل اليمين زروال، تطوي الجزائر صفحة أحد أبرز قادتها الذين تركوا وراءهم مسارًا سياسيًا وعسكريًا ارتبط بإدارة الأزمات والسعي إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة في فترة عصيبة، كما ارتبط بزهده وتخليه عن السلطة.
أكتب تعليقك