فقدت الجزائر، أول أمس، رمزًا من رموز جزائر الاستقلال وأحد رجالاتها الذين طبعوا تاريخها الحديث؛ رجلٌ اختار خدمة الوطن في صمت وغادره في صمت. ويُعدّ الرئيس الراحل اليمين زروال أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ الجزائر، حيث تولّى رئاسة الجمهورية في مرحلة حساسة من تسعينيات القرن الماضي، لينطفئ بذلك صوت من أصوات الحكمة التي طبعت تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد.
وُلد اليمين زروال في 3 جويلية 1941 بباتنة، والتحق بجيش التحرير الوطني وعمره لا يتجاوز 16 سنة، حيث شارك في ثورة التحرير المباركة ابتداءً من سنة 1957، قبل أن يُرسل إلى الكلية الحربية في بغداد بالعراق. وبعد الاستقلال، تلقّى تكوينًا عسكريًا في الاتحاد السوفياتي، ثم في المدرسة الحربية الفرنسية سنة 1974.
وتقلّد عدة مسؤوليات على مستوى الجيش الوطني الشعبي، إذ اختير قائدًا للمدرسة العسكرية بباتنة، ثم للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال، قبل أن يتولى قيادة النواحي العسكرية السادسة، ثم الثالثة والخامسة. كما عُيّن لاحقًا قائدًا للقوات البرية بقيادة أركان الجيش الوطني الشعبي.
وقدّم اليمين زروال، قائد أركان الجيش الوطني الشعبي آنذاك، استقالته سنة 1989، ليُعيّن بعدها سفيرًا في رومانيا سنة 1990، غير أنه قدّم استقالته من هذا المنصب عام 1991. لكنه عُيّن لاحقًا وزيرًا للدفاع الوطني في 10 جويلية 1993، ثم رئيسًا للدولة لتسيير شؤون البلاد خلفًا لعلي كافي، خلال المرحلة الانتقالية، في 30 جانفي 1994.
وأعلن الرئيس زروال، في 11 سبتمبر 1998، تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، أنهى بها عهدته بتاريخ 27 أفريل 1999، ليبتعد بعدها عن الساحة السياسية، مفضّلًا التفرغ لحياته الخاصة في مسقط رأسه بباتنة، حيث آثر الابتعاد عن أضواء وصخب السياسة. وبرحيله، تفقد الجزائر شخصية طبعت مرحلة مفصلية من تاريخها، ورمزًا من رموز الالتزام والمسؤولية في خدمة الدولة.
ويُعرف الرئيس الأسبق اليمين زروال بكونه «رجل المبادئ» و«صمام أمان» الجزائر خلال أصعب فتراتها، أي «العشرية السوداء». وقد تميّزت مسيرته بمواقف وطنية صلبة وزهد في السلطة. ومن أبرز مواقفه التاريخية خلال رئاسته تغليب لغة الحوار، حيث عُرف بكونه «رجل حوار»، إذ حاول فتح قنوات تفاوض مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ لإيجاد حل سلمي للأزمة، شرط التخلي عن العنف. كما أصرّ على تنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر عام 1995، وفاز بها بنسبة 61.3%، مما أعاد للدولة شرعيتها الشعبية أمام المجتمع الدولي.
كما عُرف بمقولته الشهيرة في عزّ الأزمة، حين خاطب العالم قائلًا: «ستخرج الجزائر من محنتها وتقف على رجليها، وسيأتي يوم تأتون فيه طارقين بابها الواحد تلو الآخر»، وهو ما يُعدّ اليوم كلامًا استشرافيًا لمكانة الجزائر الحالية.
كما أكد الرئيس الأسبق اليمين زروال، في تصريح عقب استقبال خصّه به رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في جوان 2020، وهو أول ظهور له بعد استقالته، أنه لمس لدى رئيس الجمهورية «إرادة قوية وصلبة في بناء دولة جديدة، حلم الشهداء الأبرار»، مضيفًا: «هذه الدولة التي كانت حلم الشهداء الأبرار، ونادى بها الملايين من الجزائريين والجزائريات أثناء قيامهم بثورة سلمية وفريدة من نوعها»، مردفًا: "أنا، كمواطن، أعتز كل يوم أكثر فأكثر بانتمائي لهذا الشعب العظيم".
وتعكس هذه الكلمات فلسفة الراحل، القائمة على التواضع والاعتزاز بالهوية الوطنية، حيث كان يحرص دائمًا على تقديم صفته كمواطن على صفته كرئيس للجمهورية، تأكيدًا على تلاحمه مع الشعب في الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد.
كما أصدر الراحل بيانات خلال الحراك الشعبي، أكد فيها انحيازه لمطالب الشعب وضرورة التغيير السلمي، ورفض عروضًا لتولي قيادة مرحلة انتقالية احترامًا لإرادة الجماهير.
وفضلًا عن أخلاقه السياسية، عُرف الرئيس الراحل اليمين زروال بالنزاهة والبساطة، حيث فضّل العيش في بيته المتواضع بباتنة بين المواطنين، دون حراسة مشددة بعد مغادرته السلطة، وظل نموذجًا للرئيس الذي لم تلوّثه الامتيازات. كما عُرف بصلابته في التعامل مع الضغوط الخارجية، ورفضه لأي تدخل أجنبي في الشأن الداخلي الجزائري.
وأعلن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون حدادًا وطنيًا لمدة ثلاثة أيام مع تنكيس الأعلام الوطنية، تقديرًا لمسيرة هذا الرجل الذي وُصف بـ«منقذ الجمهورية».
أكتب تعليقك