لبّى نداء الوطن في محطات حاسمة زروال .. ابن الجزائر البار

تحاليل الجمهورية
برحيل اليمين زروال، رئيس الجمهورية الأسبق، تودّع الجزائر اليوم بطلًا كبيرًا من أبطال ثورة أول نوفمبر 1954، ورمزًا وطنيًا، ومجاهدًا، وابنًا بارًا، ورجل دولة تولّى رئاسة الجمهورية في ظروف صعبة خلال العشرية السوداء، كانت فيها الدولة مهددة بالزوال. فلبّى نداء الوطن دون تردد، وتم اختياره في ندوة الوفاق الوطني يوم 30 جانفي 1994، التي ضمّت ممثلين عن الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وعددًا من الجمعيات والشخصيات الوطنية، حيث وقع الاختيار على المرحوم اليمين زروال رئيسًا للدولة بالإجماع، لما يتوفر فيه من حنكة عسكرية وسياسية، وشجاعة وإخلاص للوطن، واستعداد للدفاع عنه. فقرّر مواجهة الإرهاب بكل قوة وحزم لحماية الدولة الجزائرية ومؤسساتها لتبقى واقفة، وحماية الشعب الجزائري، ووضع حدّا لعمليات الاغتيال والحرق وتخريب الممتلكات، وزرع الخوف والرعب في نفوس المواطنين. فقام بإنشاء الحرس البلدي وفرق الدفاع الذاتي، وفتح الباب أمام المواطنين الراغبين في حمل السلاح ضد الإرهاب الأعمى، كما دعم الجيش الوطني الشعبي وأعوان الأمن والدرك الوطني، خاصة في البلديات النائية والمناطق الريفية، مما ساعد على استرجاع الأمن تدريجيًا. وفي الوقت نفسه، انتهج زروال سياسة الحوار لإيقاف دوامة العنف والتطرف، وإيجاد حل سياسي للأزمة الداخلية الخطيرة التي كانت تعيشها بلادنا، وسط الحملات الخارجية والحصار، والصعوبات المالية والاقتصادية، وشروط صندوق النقد الدولي الصعبة لإعادة جدولة الديون الخارجية التي بلغت آنذاك 25 مليار دولار. ورغم كل ذلك، استمرت المحاولات الجادة لحماية الدولة الجزائرية واستعادة الأمن والاستقرار، بفتح باب التوبة أمام الشباب المغرر بهم من أجل ترك السلاح والعودة إلى المجتمع، وذلك بإصدار «قانون الرحمة» سنة 1995، الذي يمنح العفو أو تخفيف العقوبات على بعض الجرائم غير الخطيرة للذين يسلّمون أنفسهم للسلطات العسكرية أو المدنية، ويعلنون التوبة والابتعاد عن الجماعات الإرهابية، مما مثّل محاولة جادة لكسر منطق العنف والتطرف. وقد أسفر ذلك عن توبة عدد كبير من المتورطين في الأعمال الإرهابية الذين سلّموا أنفسهم بشكل فردي، لأن الجماعات الإرهابية رفضت وقف العنف وواصلت أعمالها الإجرامية ضد الوطن والمواطنين والممتلكات، وكانت تلك خطوة مهمة. ولم يتمسك اليمين زروال بمنصب رئيس الدولة طويلًا، فقد عمل على تهيئة الظروف لتنظيم انتخابات رئاسية بمشاركة الأحزاب السياسية، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وأصوات الناخبين. وبالفعل، جرت انتخابات رئاسية تعددية يوم 16 نوفمبر 1995، ترشح فيها اليمين زروال كمستقل، ونافسه المرحوم محفوظ نحناح عن حركة مجتمع السلم، وسعيد سعدي عن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ونور الدين بوكروح عن حزب التجديد الجزائري، وفاز بها اليمين زروال بنسبة 61.29 بالمائة من الأصوات المعبر عنها. وقد كانت المشاركة الشعبية كبيرة، حيث كسر الناخبون طوق الخوف وخرجوا جماعات وفرادى، وامتلأت بهم الشوارع والطرقات ومكاتب ومراكز الاقتراع، مما أكد بوضوح نجاعة الجهود التي قام بها المرحوم اليمين زروال. ولم يتوقف عند «قانون الرحمة»، بل استطاع الوصول إلى قيادة تنظيم الجيش الإسلامي للإنقاذ وإقناعهم بوقف العنف وإعلان الهدنة في أول أكتوبر 1997، والتجمع في أماكن محددة في بعض ولايات الوطن، بالتنسيق مع الجيش الوطني الشعبي، مما مثّل نقطة تحول كبيرة وبداية الانفراج الأمني وتراجع خطر الإرهاب بنسبة كبيرة، باستثناء بعض العناصر. وفي سنة 1998، أعلن المرحوم اليمين زروال إجراء انتخابات رئاسية مسبقة وعدم الترشح لها، وقد جرت يوم 27 أفريل 1999، وفاز بها عبد العزيز بوتفليقة، الذي وجد الأرضية ممهدة لإصدار قانون الوئام المدني سنة 1999، ثم قانون المصالحة الوطنية سنة 2005. وغادر المرحوم اليمين زروال إلى باتنة، مسقط رأسه، ليقضي بقية حياته بين جيرانه وأصدقائه في تواضع جمّ، ومحبة واحترام من الشعب الجزائري. وكانت آخر مبادرة له سنة 2019 بالإبلاغ عن تحركات مشبوهة لضرب الحراك الوطني، فجزاه الله خير الجزاء، وتغمده برحمته الواسعة.

يرجى كتابة : تعليقك